المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشبهات الواردة على مذهب أهل البيت عليهم السلام والردود عليها


طيب الزهراء
10-02-08, 11:35 PM
صلاة «التراويح» سنّة أم بدعة ؟


مقدّمة

تعتبر الواجبات في الشريعة الإسلامية مما يلزم الإنسان المؤمن ـ بالله ورسوله واليوم الآخر ـ أن يأتي به باعتباره أمراً ضرورياً له في تحصيل الكمال اللائق به، بحيث يكون التفريط في أداء الواجبات، يعني تعريض كماله المرجوّ للخطر وعدم إمكان حصوله على أدنى مراتب الكمال المرجوّة له .

وتعتبر المستحبات والمندوبات هي تلك الاُمور التي تزيد المؤمن الملتزم بالواجبات كمالاً وتقرباً الى الله سبحانه.

والصلاة المفروضة (اليومية) لابد للإنسان أن يأتي بها على كل حال، ولكن الالتزام بأدائها في أول وقتها يعتبر فضلاً وكمالاً وتعبيراً عن إهتمام المؤمن بهذا الفرض الإلهي الذي شرّفه الله به، وهكذا أداؤها جماعة يكون مندوباً آخر وهو تعبير عن تحقق مرتبة اُخرى من الكمال حين يؤديها جماعة.

وتتميز العبادات في الشريعة الإسلامية باُمور، منها:

تنوّعها واستيعابها لمختلف الأزمنة والحالات التي يمرّ بها الإنسان طيلة حياته، ومنها شمولها واستيعابها لمختلف أوقات الإنسان في كل يوم من حين بلوغه وحتى آخر لحظات حياته، وهذا الاستمرار يكشف عن مدى اعتناء الإسلام بتربية الإنسان، تلك التربية التي لا تتحقق إلاّ بالتدرّج والمران والممارسة الجادّة والارتباط المستمر بالله سبحانه.

كما تتميّز عبادات الإسلام بأنها توقيفية في نوعها وكيفيتها وتفاصيلها، وليس للإنسان حق في أن ينقص منها أو يزيد فيها شيئاً بحسب رأيه، وعلى هذا اجماع المسلمين قاطبة.

من هنا نجد ضرورة البحث في ما يقوم به بعض المسلمين في شهر رمضان من اداء صلاة باسم صلاة التراويح; هل شرّعها الشارع الحكيم وبيّن حكمها وتفاصيلها؟ أم لم تشرع في الشريعة الإسلامية فتكون حينئذ بدعة والبدعة محرّمة، حيث لا أساس لها في الكتاب ولا السنّة النبوية الشريفة؟!


الكتاب والسنّة ينفيان مشروعية صلاة التراويح[صلاة التراويح لدى علماء الجمهور سنة مستحبّة في ليالي شهر رمضان، والمختار عند أحمد بن حنبل، والثوري، وأبي حنيفة، والشافعي، انّها عشرون ركعة، وقال مالك: ستة وثلاثون «المغني لابن قدامة: 1 / 797 ـ 799.] وعندما نتلوا الكتاب العزيز لا نجد في آياته أثراً لصلاة التراويح، ولو كان هناك أثر قرآني فيها لتمسك به فقهاء المذاهب الأربعة، ولم نجد أحداً منهم استدل عليها بشيء من القرآن الكريم.

وكذلك عندما نأتي لسيرة النبي(صلى الله عليه وآله) لا نجد فيها أثراً لصلاة التراويح، بل نجد فيها تأكيداً على قيام الليل في شهر رمضان، ولكن بنحو الفرادى لا الجماعة.

والأخبار تؤكد ـ كما تأتي ـ أن صلاة التراويح لم يأت بها رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ولا كانت على عهده، بل لم تكن على عهد أبي بكر، ولا شرّع الله الاجتماع لأداء نافلة من السنن المستحبة، غير صلاة الاستسقاء.

وإنّما شرّعه في الصلوات الواجبة، كالفرائض الخمس اليومية، وصلاة الطواف والآيات والجنائز...

وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقيم ليالي رمضان ويؤدي سننها في غير جماعة، وكان يحض على قيامها، فكان الناس يقيمونها على نحو ما رأوه(صلى الله عليه وآله) يقيمها.

وهكذا كان الأمر على عهد أبي بكر حتى مضى لسبيله سنة ثلاث عشرة للهجرة[وكان ذلك ليلة الأربعاء لثمان بقين من جمادى الآخرة وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام]، وقام بالأمر بعده عمر بن الخطاب، فصام شهر رمضان من تلك السنة لا يغيّر من قيام الشهر شيئاً.


متى اُستحدثت صلاة التراويح

فلمّا كان شهر رمضان سنة أربع عشرة أتى المسجد ـ أي عمر بن الخطاب ـ ومعه بعض أصحابه، فرأى الناس يقيمون النوافل، وهم ما بين قائم وقاعد وراكع وساجد وقارئ ومسبح، ومحرم بالتكبير، ومحلّ بالتسليم، في مظهر لم يرقه، عزم على اصلاحه بحسب رأيه فسنّ لهم التراويح[التراويح هي النافلة جماعة في ليالي شهر رمضان، وإنّما سميت تراويح للاستراحة فيها بعد كل أربع ركعات] أوائل الليل من الشهر، وجمع الناس عليها حكماً مبرماً، وكتب بذلك الى البلدان ونصب للناس في المدينة إمامين يصليان بهم التراويح، إماماً للرجال وإماماً للنساء. وفي ذلك رويت روايات:

وإليك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما[فراجع من صحيح البخاري كتاب صلاة التراويح: ص 233 من جزئه الأوّل. وراجع من صحيح مسلم باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح من كتاب صلاة المسافر وقصرها ص 283 والتي بعدها من جزئه الأول] من أن رسول الله(صلى الله عليه وآله)قال: «من قام رمضان ـ أي بأداء سننه ـ إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه»، وأنّه(صلى الله عليه وآله) توفي والأمر كذلك ـ أي وأمر القيام في شهر رمضان لم يتغير عمّا كان عليه قبل وفاته(صلى الله عليه وآله) ـ، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر .

وأخرج البخاري في كتاب التراويح أيضاً من الصحيح عن عبدالرحمن بن عبد القاريّ[عبدالقاريّ بتنوين عبد وتشديد ياء القاريّ نسبة الى قارة وهو ابن ديش بن ملحم بن غالب المدني. كان هذا عامل عمر على بيت المال وهو حليف بني زهرة. روى عن عمر وأبي طلحة، وأبي أيوب، وأبي هريرة. وروى عنه ابنه محمد، والزهري، ويحيى ابن جعدة بن هبيرة. مات سنة ثمانين . وله ثمان وسبعون سنة. انظر الاستيعاب: 2 / 381 ـ 382 دار الكتب العلمية]، قال: خرجت مع عمر ليلة رمضان الى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، الى أن قال: فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد كان أمثل، ثم عزم فجمعهم على اُبيّ بن كعب (قال): ثمّ خرجت معه ليلة اُخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم. قال عمر: نعمت البدعة هذه ...

قال العلاّمة القسطلاني عند بلوغه الى قول عمر في هذا الحديث: نعمت البدعة هذه، ما هذا لفظه:

سمّـاها بدعة، لأنه(صلى الله عليه وآله) لم يُسَنّ لهم الاجتماع لها، ولا كانت في زمن الصديق، ولا أول الليل، ولا هذا العدد[ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري: القسطلاني : 4 / 656 كتاب التراويح، باب فضل من قام رمضان]
وفي تحفة الباري وغيره من شروح البخاري مثله فراجع.

وقال العلاّمة أبو الوليد محمد بن الشحنة بعد ذكر وفاة عمر في حوادث سنة 23 من تاريخه ـ روضة المناظر ـ : هو أوّل من نهى عن بيع اُمهات الأولاد، وجمع الناس على أربع تكبيرات في صلاة الجنائز، وأوّل من جمع الناس على إمام يصلي بهم التراويح...

ولما ذكر السيوطي في كتابه ـ تاريخ الخلفاء ـ أوليات عمر نقلاً عن العسكري[العسكري هو الحسن بن عبدالله بن سهل بن سعيد بن يحيى يكنى أبا هلال اللغوي. له كتاب الأوائل فرغ من تأليفه يوم الأربعاء لعشر خلت من شعبان سنة 395. كشف الظنون: 1 / 199]، قال: هو أوّل من سمّي أمير المؤمنين، وأوّل من سن قيام شهر رمضان ـ بالتراويح ـ وأول من حرّم المتعة، وأول من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات...

وقال محمد بن سعد ـ حيث ترجم عمر في الجزء الثالث من الطبقات ـ : وهو أول من سنّ قيام شهر رمضان ـ بالتراويح ـ وجمع الناس على ذلك، وكتب به الى البلدان، وذلك في شهر رمضان سنة أربعة عشرة، وجعل الناس بالمدينة قارئين قارئاً يصلي التراويح بالرجال، وقارئاً يصلي بالنساء...

وقال ابن عبدالبر في ترجمة عمر من الاستيعاب: وهو الذي نوّر شهر الصوم بصلاة الاشفاع فيه[الاستيعاب : 3 / 236 ].

قال السيد عبدالحسين شرف الدين معلّقاً على مبرّري صلاة التراويح :

«وكأنّ هؤلاء عفا الله عنهم وعنا، رأوه قد استدرك (بتراويحه) على الله ورسوله حكمة كانا عنها غافلين.

بل هم بالغفلة ـ عن حكمة الله في شرائعه ونظمه ـ أحرى، وحسبنا في عدم تشريع الجماعة في سنن شهر رمضان وغيرها إنفراد مؤديها ـ جوف الليل في بيته ـ بربه عزّ وعلا يشكو إليه بثه وحزنه، ويناجيه بمهماته مهمة مهمة حتى يأتي على آخرها ملحّاً عليه، متوسلاً بسعة رحمته إليه، راجياً لاجئاً، راهباً راغباً، منيباً تائباً، معترفاً لائذاً عائذاً، لا يجد ملجأً من الله تعالى إلاّ إليه، ولا منجى منه إلا به.

لهذا ترك الله السنن حرة من قيد الجماعة ليتزودوا فيها من الانفراد بالله ما أقبلت قلوبهم عليه، ونشطت أعضاؤهم له، يستقل منهم من يستقل، ويستكثر من يستكثر، فإنّها خير موضوع، كما جاء في الأثر عن سيد البشر»[النصّ والاجتهاد للسيد شرف الدين : 214، المورد 26 صلاة التراويح].

أما ربطها بالجماعة فيحدُّ من هذا النفع، ويقلل من جدواه.

أضف الى هذا أن إعفاء النافلة من الجماعة يمسك على البيوت حظها من البركة والشرف بالصلاة فيها، ويُمسك عليها حظها من تربية الناشئة على حبها والنشاط لها، ذلك لمكان القدوة في عمل الآباء والاُمهات والأجداد والجدات، وتأثيره في شد الأبناء إليها شداً يرسخها في عقولهم وقلوبهم، وقد سأل عبدالله بن مسعود رسول الله(صلى الله عليه وآله) أيما أفضل: الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد؟ فقال(صلى الله عليه وآله): «ألا ترى الى بيتي ما أقربه من المسجد فلاَن اُصلي في بيتي أحبّ إليّ من أن اُصلي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة»، رواه أحمد وابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه كما في باب الترغيب في صلاة النافلة من كتاب الترغيب والترهيب للإمام زكي الدين عبدالعظيم بن عبدالقوي المنذري[الترغيب والترهيب : 1 / 279].

وعن زيد بن ثابت أن النبي(صلى الله عليه وآله)، قال: «صلّوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة»، رواه النسائي وابن خزيمة في صحيحه.

وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «أكرموا بيوتكم ببعض صلاتكم»[الترغيب والترهيب : 1 / 280].

وعن جابر قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، وأن الله جاعل في بيته من صلاته خيراً»، رواه مسلم وغيره ورواه ابن خزيمة في صحيحه بالإسناد الى أبي سعيد، والسنن في هذا المعنى لا يسعها هذ الإملاء[مسند الشاميين: 2/115، ح 1021، منتخب مسند عبد بن حميد: 300، ح 969].

لكن الخليفة رجل تنظيم وحزم، وقد راقه من صلاة الجماعة ما يتجلى فيها من الشعائر بأجلى المظاهر، الى ما لا يحصى من فوائدها الاجتماعية، التي أشبع القول فيها علماؤنا الأعلام ممّن عالجوا هذه الاُمور بوعي المسلم الحكيم، وأنت تعلم أنّ الشرع الاسلامي لم يهمل هذه الناحية، بل اختصّ الواجبات من الصلوات بها، وترك النوافل للنواحي الاُخر من مصالح البشر (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)[الأحزاب : 36].


رأي الإمامية في صلاة التراويح

إن الشيعة الإمامية ـ تبعاً للرسول(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام)ـ يقيمون نوافل شهر رمضان بلا جماعة، ويرون أنّ إقامتها جماعة هي بدعة غير مشروعة، حدثت بعد رسول الله، بمقياس ما أنزل الله به من سلطان.

قال الشيخ الطوسي: نوافل شهر رمضان تصلّى انفراداً، والجماعة فيها بدعة.

واستدلّ على مذهب الإمامية بإجماعهم على أنّ ذلك بدعة. وما رواه زيد بن ثابت[سنن أبي داود 2: 69] من أن النبي(صلى الله عليه وآله)،قال: «صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلاّ المكتوبة»[الخلاف 1: 529، كتاب الصلاة، المسألة 268].

وفي جواهر الكلام تأليف الشيخ محمد حسن النجفي: بإمكان ادعاء تواتر الأخبار ببدعة الجماعة في نوافل شهر رمضان[جواهر الكلام : 13/144
].

ونقل السيد الحكيم في المستمسك حكاية المنتهى والذكرى وكنز العرفان الاجماع عليه[مستمسك العروة الوثقى : 7/170].

طيب الزهراء
10-02-08, 11:37 PM
صلاة التراويح في نصوص أهل البيت(عليهم السلام)
أمّا أئمة أهل البيت فقد اتّفقت كلمتهم على أن الجماعة في النوافل مطلقاً بدعة، من غير فرق بين صلاة التراويح وغيرها، وهناك صنفان من الروايات الواردة عنهم:

الصنف الأول: ما يدلّ على عدم تشريع الجماعة في مطلق النوافل.

الصنف الثاني: ما يدل على عدم تشريعها في صلاة التراويح.

أما الصنف الأول فنذكر منه روايتين:

1 ـ قال الامام الباقر(عليه السلام): «ولا يُصلّى التطوع في جماعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»[الخصال 2: 152].

2 ـ قال الإمام عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام) في كتابه الى المأمون: «ولا يجوز أن يصلّى تطوّع في جماعة، لأن ذلك بدعة»[عيون أخبار الرضا : 266].

وأما الصنف الثاني، فقد تحدّث عنه الإمام الصادق(عليه السلام)وقال: لما قدم أمير المؤمنين(عليه السلام)الكوفة أمر الحسن بن علي أن ينادي في الناس لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة، فنادى في الناس الحسن بن علي بما أمره به أمير المؤمنين، فلمّا سمع الناس مقالة الحسن(عليه السلام)صاحوا واعمراه، واعمراه، فلما رجع الحسن الى أمير المؤمنين(عليه السلام)، قال له: ما هذا الصوت؟ قال: يا أمير المؤمنين الناس يصيحون واعمراه واعمراه، فقال أمير المؤمنين قل لهم: صلّوا[ التهذيب 2: ح 227].

وربما يتعجب القارئ من قول الامام «قل لهم: صلوا» حيث تركهم يستمرّون في الإتيان بهذا الأمر المبتدع، ولكن إذا رجع الى سائر كلماته يتجلّى له سرّ تركهم على ما كانوا عليه.

قال الشيخ الطوسي: إن أمير المؤمنين لما أنكر، أنكر الاجتماع، ولم يُنكر نفس الصلاة، فلمّا رأى أن الأمر يفسد عليه ويفتتن الناس، أجاز أمرهم بالصلاة على عادتهم[المصدر السابق].

ويدل عليه: ما رواه سليم بن قيس، قال : خطب أمير المؤمنين فحمد الله وأثنى عليه ثم صلّى على النبي، ثم قال: «ألا إن أخوف ما أخاف عليكم خلّتان: اتّباع الهوى، وطول الأمل» ثم ذكر أحداثاً ظهرت بعد رسول الله ـ وقال: ولو حملت الناس على تركها... لتفرق عنّي جندي حتى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي... والله لقد أمرتُ الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلا في فريضة، وأعلمتهم أن اجتماعهم في النوافل بدعة، فتنادى بعض أهل عسكري ممّن يقاتل معي، يا أهل الاسلام غُيّرت سنّة عمر، ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوّعاً، ولقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري...[لكافي 8: 58].

لقد تسنّم الإمام منصة الخلافة بطوع ورغبة من جماهير المسلمين، وواجه أحداثاً ظهرت بعد رسول الله، وأراد إرجاع المجتمع الإسلامي الى عهد رسول الله في مجالات مختلفة، ولكن حالت العوائق دون نيّته، فترك بعض الاُمور بحالها، حتى يشتغل بالأهم فالأهم، فلأجله أمر ابنه الحسن أن يتركهم بحالهم حتى لا يختلّ نظام البلاد، ولا يثور الجيش ضدّه.

روى أبو القاسم ابن قولويه (ت / 369) عن الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام)، أنّهما قالا: كان أمير المؤمنين بالكوفة إذ أتاه الناس فقالوا له اجعل لنا إماماً يؤمّنا في رمضان، فقال لهم: لا، ونهاهم أن يجتمعوا فيه، فلمّا أحسّوا، جعلوا يقولون أبكوا رمضان، وارمضاناه! فأتى الحارث الأعور في اُناس، فقال: يا أمير المؤمنين ضجّ الناس وكرهوا قولك، قال: فقال عند ذلك: «دعوهم وما يريدون، يُصلّ بهم من شاءوا[السرائر 3: 638]».

هذه الروايات تفصح لنا عن موقف أهل البيت(عليهم السلام)من صلاة التراويح.


سنّة الرسول(صلى الله عليه وآله) برواية أهل البيت(عليهم السلام)

تختلف روايات أئمة أهل البيت(عليهم السلام) عن بعض ما رواه أصحاب السنن، فرواياتهم(عليهم السلام)صريحة في أن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)كان ينهى عن إقامة نوافل رمضان جماعة، وأنّه(صلى الله عليه وآله) لما خرج بعض الليالي الى المسجد ليقيمها منفرداً، ائتمّ به الناس فنهاهم عنه، ولمّا أحسّ اصرارهم على الائتمام ترك الصلاة في المسجد واكتفى بإقامتها في البيت، وإليك بعض ما روي في ذلك:

سأل زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل الباقر والصادق(عليهما السلام)عن الصلاة في شهر رمضان نافلة بالليل جماعة، فقالا: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله)كان إذا صلّى العشاء الآخرة انصرف الى منزله، ثم يخرج من آخر الليل الى المسجد فيقوم فيصلّي، فخرج في أول ليلة من شهر رمضان ليصلّي، كما كان يصلّي، فاصطفّ الناس خلفه، فهرب منهم الى بيته وتركهم، ففعلوا ذلك ثلاث ليال، فقام في اليوم الرابع على منبره فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة، وصلاة الضحى بدعة، ألا فلا تجتمعوا ليلاً في شهر رمضان لصلاة الليل، ولا تصلّوا صلاة الضحى، فإن تلك معصية، ألا وإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة سبيلها الى النار. ثم نزل وهو يقول:

«قليل في سنّة خير من كثير في بدعة»[من لا يحضره الفقيه، كتاب الصوم: 87].

روى عبيد بن زرارة عن الإمام الصادق(عليه السلام)، قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يزيد في صلاته في رمضان، إذا صلّى العتمة صلّى بعدها، فيقوم الناس خلفه فيدخل ويدعهم، ثم يخرج أيضاً فيجيئون ويقومون خلفه فيدعهم ويدخل مراراً[الكافي 4: 154.].

ولعلّه(صلى الله عليه وآله) قام بهذا العمل مرّتين، تارة في آخر الليل ـ كما في الرواية الاُولى ـ واُخرى بعد صلاة العتمة، كما في الرواية الثانية.


موقف الصحيحين من صلاة التراويح

لكن المروي عن طريق أهل السنة يخالف ذلك، وإليك نص الشيخين البخاري ومسلم:

روى الأوّل وقال: حدثني يحيى بن بكير حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب: أخبرني عروة أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أخبرته أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) خرج ليلة من جوف الليل فصلّى في المسجد، وصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدّثوا، فاجتمع أكثر منهم، فصلّى فصلّوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله)فصلّى بصلاته، فلمّـا كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلمّا قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد، ثم قال: «أما بعد فانّه لم يخفَ عليّ مكانكم، ولكني خشيت أن تفترض عليكم فتعجزوا عنها. فتوفي رسول الله(صلى الله عليه وآله) والأمر على ذلك»[أي على ترك الجماعة في صلاة التراويح. لاحظ البخاري، الصحيح، باب فضل من قام رمضان: 61 رقم 2012].

وروى أيضاً في باب التهجد: «إن رسول الله صلى ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته ناس، ثم صلّى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله، فلمّا أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلاّ أني خشيت أن تُفرَض عليكم وذلك في رمضان»[الصحيح 2: 63 باب التهجد بالليل، وبين الروايتين اختلاف فيما خرج(صلى الله عليه وآله)فيها من الليالي، فعلى الاُولى خرج ثلاث ليال، وعلى الثانية خرج ليلتين].

روى مسلم قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) صلّى في المسجد ذات ليلة فصلّى بصلاته ناس، ثمّ صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة[الصحيح 6: 41 وغيره، والظاهر وحدة الرواية الثانية للبخاري مع هذه الرواية لاتّحاد الراوي والمروي عنه والمضمون] فلم يخرج إليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم، إلا أني خشيت أن تفرض عليكم، قال: وذلك في رمضان.

وحدّثني حرملة بن يحيى: أخبرنا عبدالله بن وهب: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) خرج من جوف الليل فصلّى في المسجد، فصلّى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدثون بذلك فاجتمع أكثر منهم، فخرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الليلة الثانية فصلّوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلّوا بصلاته، فلمّا كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) حتى خرج لصلاة الفجر فلمّا قضى الفجر أقبل على الناس ثم تشهّد، فقال: «أما بعد فإنّه لم يخفَ عليَّ شأنكم الليلة، ولكنّي خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها»[صحيح مسلم 6: 41].

والاختلاف بين ما رواه أصحابنا عن أمير المؤمنين علي(عليه السلام)، وما رواه الشيخان واضح، فعلى الأول، نهى النبي(صلى الله عليه وآله)عن إقامتها جماعة، وأسماها بدعة، وعلى الثاني، ترك النبي(صلى الله عليه وآله)الإقامة جماعة خشية أن تُفرض عليهم، مع كونها موافقة للدين والشريعة، إذاً فأي القولين أحقّ أن يتّبع؟

طيب الزهراء
10-02-08, 11:39 PM
مناقشة الصحيحين

إن في حديث الشيخين مشاكل عديدة جديرة بالوقوف عليها:

المشكلة الاُولى: ما معنى قوله: «خشيت أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها»؟

فهل مفاده: أن ملاك التشريع هو إقبال الناس وإدبارهم، فإن كان هناك اهتمام ظاهر من قبل الناس، يفرض عليهم وإلاّ فلا يفرض ؟ مع أن الملاك في الفرض هو وجود مصالح واقعية في الحكم، سواء أكان هناك اهتمام ظاهر أم لا، فإن تشريعه سبحانه ليس تابعاً لرغبة الناس أو إعراضهم، وإنّـما يتّبع مجموعة من المصالح والمفاسد والتي هو أعلم بها سواء أكان هناك من الناس إقبال أم إدبار.

المشكلة الثانية: لو افترضنا أن الصحابة أظهروا اهتمامهم بصلاة التراويح باقامتها جماعة، أفيكون ذلك ملاكاً للفرض؟ فإن مسجد النبي(صلى الله عليه وآله) يومذاك كان مكاناً محدوداً لا يسع إلا ستة آلاف نفر أو أقل، فقد جاء في الفقه على المذاهب الخمسة: «كان مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله) 35 متراً في 30 متراً ثم زاده الرسول(صلى الله عليه وآله) وجعله 57 متراً في 50 متراً»[الفقه على المذاهب الخمسة : 285].

أفيمكن جعل اهتمامهم كاشفاً عن اهتمام جميع الناس في جميع العصور الى يوم القيامة؟

المشكلة الثالثة: هي وجود الاختلاف في عدد الليالي التي أقام النبي فيها نوافل رمضان جماعة. فعلى ما نقله البخاري في كتاب الصوم أن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) صلّى التراويح مع الناس أربعة ليال، وعلى ما نقله في باب التحريض على قيام الليل، أنّه صلاها ليلتين، ووافقه مسلم على النقل الثاني، ويظهر مما ذكره غيرهما ـ كما مرّ في صدر المقال ـ أنّه(صلى الله عليه وآله) أقامها في ليال متفرقة (ليلة الثالث، والخامس، والسابع والعشرين). وهذا يعرب عن عدم الاهتمام بنقل فعل الرسول على ما هو عليه، فمن أين نطمئن على سائر ما جاء فيه من أنّ النبي استحسن عملهم؟

المشكلة الرابعة: أن الثابت من فعل النبي، أنّه صلاها ليلتين، أو أربع في آخر الليل، وهي لا تزيد عن ثماني ركعات. والتأسّي بالنبي يقتضي الاقتداء به فيما ثبت. لا فيما لم يثبت، بل ثبت عدمه بما صرّح به القسطلاني ووصف مازاد عليه بالبدعة وذلك:

1 ـ إنّ النبي لم يسنّ لهم الاجتماع لها.

2 ـ ولا كانت في زمن الصديق.

3 ـ ولا أول الليل.

4 ـ ولا كلّ ليلة.

5 ـ ولا هذا العدد[ارشاد الساري : 4/656، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان].

ثم التجأ في إثبات مشروعيّتها الى اجتهاد الخليفة.

وقال العيني: إن رسول الله لم يسنّها لهم، ولا كانت في زمن أبي بكر. ثم اعتمد ـ العيني ـ في شرعيّته الى اجتهاد عمر واستنباطه من إقرار الشارع الناس يصلّون خلفه ليلتين[عمدة القارئ: 6/ 126،كتاب التراويح، ذيل الحديث 116].

المشكلة الخامسة: أنه إذا أخذنا برواية أحد الثقلين، (أعني أهل البيت(عليهم السلام)) تُصبح إقامة النوافل جماعة بدعة على الاطلاق، وإن أخذنا برواية الشيخين، فالمقدار الثابت ما جاء في كلام القسطلاني، والزائد عنه يصحّ بدعة إضافية، والمقصود منها ما يكون العمل بذاته مشروعاً، والكيفية التي يقام بها، غير مشروعة.

ولم يبق ما يحتج به على المشروعية إلا جمع الخليفة الناس على إمام واحد وهو ما سنشرحه في البحث الآتي:


جمع الناس على إمام واحد في عصر عمر

روى البخاري : توفي رسول الله(صلى الله عليه وآله) والناس على ذلك (يعني عدم إقامة التراويح بالجماعة) ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر[الصحيح، باب فضل من قام رمضان: الحديث 2010].

وروى أيضاً عن عبدالرحمن بن عبدالقاري أنّه، قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان الى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرّقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط[الرهط: بين الثلاثة الى العشرة].

فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. ثم عزم فجمعهم على اُبيّ بن كعب، ثم خرجت معه ليلة اُخرى والناس يُصلّون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون . يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوّله.

ولكن الظاهر من شرّاح الصحيح أن الإتيان جماعة لم يكن مشروعاً، وإليك بيانه في ضمن أمرين:

1 ـ قوله : «فتوفي رسول الله(صلى الله عليه وآله) والناس على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر» فقد فسّره الشراح بقولهم: أي على ترك الجماعة في التراويح، ولم يكن رسول الله(صلى الله عليه وآله)جمع الناس على القيام[فتح الباري، لابن حجر العسقلاني 4: 203].

وقال بدر الدين العيني: والناس على ذلك (أي على ترك الجماعة) ثم قال: فإن قلت روى ابن وهب عن أبي هريرة خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) واذا الناس في رمضان يصلّون في ناحية المسجد، فقال: «ما هذا؟» فقيل: ناس يصلّي بهم اُبي بن كعب، فقال: «أصابوا، ونعم ما صنعوا»، ذكره ابن عبدالبر.

ثم أجاب بقوله: قلت: فيه مسلم بن خالد وهو ضعيف، والمحفوظ أن عمر(رضي الله عنه) هو الذي جمع الناس على اُبي بن كعب[عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري 6: 125، وجاء نفس السؤال والجواب في فتح الباري].

وقال القسطلاني : «والأمر على ذلك (أي على ترك الجماعة في التراويح) ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، الى آخر ما ذكره»[ارشاد الساري : 4/ 656، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان].

2 ـ قوله: نعم البدعة; أن الظاهر من قوله: «نعم البدعة هذه» أنّها من سُنن نفس الخليفة، ولا صلة لها بالشرع، وقد صرّح بذلك لفيف من العلماء.

قال القسطلاني: سماها (عمر) بدعة لأنه(صلى الله عليه وآله) لم يُسَنّ لهم الاجتماع لها، ولا كانت في زمن الصديق، ولا أوّل الليل، ولا كلّ ليلة ولا هذا العدد ـ الى أن قال: ـ وقيام رمضان ليس بدعة، لأنه(صلى الله عليه وآله)قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، وإذا أجمع الصحابة مع عمر على ذلك زال عنه اسم البدعة».

وقال العيني: «وإنما دعاها بدعة، لأن رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم يسنّها لهم، ولا كانت في زمن أبي بكر ولا رغب رسول الله(صلى الله عليه وآله)فيها»[عمدة القارئ 6: 126 وقد سقط لفظة لا من قوله و «رغب» كما ان كلمة بقوله ـ بعده هذه الجملة ـ في النسخة مصحف «قوله»، فلاحظ].

والاتفاق حاصل بين علماء الجمهور على أن عمر أول من سنّ الجماعة، فبالاضافة الى ما تقدم في هذا المعنى، نذكر من أقوالهم:

1 ـ قال ابن سعد في ترجمة عمر: «هو أول من سنّ قيام شهر رمضان بالتراويح، وجمع الناس على ذلك، وكتب به الى البلدان وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة»[الطبقات الكبرى 3: 281].

2 ـ وقال ابن عبدالبر في ترجمة عمر: «وهو الذي نور شهر الصوم بصلاة الاشفاع فيه»[الاستيعاب 3: 1145].

قال الوليد بن الشحنة عند ذكر وفاة عمر في حوادث سنة (23هـ ) : «وهو أول من نهى عن بيع اُمهات الأولاد... وأول من جمع الناس على إمام يصلّي بهم التروايح»[روضة المناظر كما في النص والاجتهاد: 150].

فإذا كان المفروض أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم يسنّ الجماعة فيها، وإنما سنّها عمر، فهل هذا سند مشروعيتها أم بدعيتها؟ مع أنّه ليس لإنسان حتى الرسول حق ذاتي في التسنين والتشريع، وإنما هو(صلى الله عليه وآله)مبلّغ عن الله سبحانه في التشريع ومجاز عنه في التسنين، فهل يجوز لغير الرسول ما لا يجوز له(صلى الله عليه وآله) ؟!

إن الوحي يحمل التشريع الى النبي الأكرم وهو(صلى الله عليه وآله)الموحى إليه، وبموته انقطع الوحي، وسدّ باب التشريع والتسنين، فليس للاُمة إلا الاجتهاد في ضوء الكتاب والسنّة، لا التشريع ولا التسنين، ومن رأى أن لغير الله سبحانه حق التسنين فمعنى ذلك عدم انقطاع الوحي.

قال ابن الأثير في نهايته: ومن هذا النوع قول عمر : «نعمت البدعة هذه (التراويح) لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح سماها بدعة ومدحها، إلاّ أن النبي(صلى الله عليه وآله) لم يسنّها لهم، وإنما صلاها ليالي ثم تركها، ولم يحافظ عليها، ولا جمع الناس لها، ولا كانت في زمن أبي بكر، وإنما عمر جمع الناس عليها، وندبهم إليها، فبهذا سمّاها بدعة، وهي في الحقيقة سنّة، لقوله(صلى الله عليه وآله): «عليكم بسنّتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي»، وقوله: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر»[النهاية 1: 106، 107، باب الباء مع الدال ].


التشريع مختصّ بالله سبحانه

إنّ هؤلاء الأكابر مع اعترافهم بأن النبي لم يسنّ الاجتماع، أسندوا إقامتها جماعة الى عمل الخليفة، ومعنى ذلك أن له حق التسنين والتشريع، وهذا يضاد اجماع الاُمة، إذ لا حقَّ لأي إنسان أن يتدخل في أمر الشريعة بعد إكمالها، لقوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)[سورة المائدة : 3] وكلامه يخالف الكتاب والسنّة، فإن التشريع حق لله سبحانه لم يفوضه لأحد، والنبي الأكرم مبلغ عنه.

أضف الى ذلك لو أن الخليفة قد تلقى ضوءاً أخضر في مجال التشريع والتسنين، فلم لا يكون لسائر الصحابة ذلك، مع كون بعضهم أقرأ منه، كأُبي بن كعب، وأفرض، كزيد بن ثابت، وأعلم وأقضى منه، كعلي بن أبي طالب(عليه السلام) ؟ فلو كان للجميع ذلك لانتشر الفساد وعمّت الفوضى أمر الدين، وكان اُلعوبة بأيدي غير المعصومين.

وأمّا التمسك بالحديثين، فلو صح سندهما فإنّهما لا يهدفان الى أن لهما حق التشريع، بل يفيدان لزوم الاقتداء بهما، لأنهما يعتمدان على سنّة النبي الأكرم، لا أنّ لهما حق التسنين.

نعم، يظهر ممّا رواه السيوطي عن عمر بن عبدالعزيز أنّه كان يعتقد أن للخلفاء حق التسنين، قال: قال حاجب بن خليفة شهدت عمر بن عبدالعزيز يخطب وهو خليفة، فقال في خطبته: ألا إن ما سنّ رسول الله وصاحباه فهو دين نأخذ به، وننتهي إليه، وما سنّ سواهما فإنا نرجئه[تاريخ الخلفاء : 241]. وهو كما ترى.

وعلى كل تقدير، فإنّ الله سبحانه لم يفوّض أمر دينه في التشريع والتقنين الى طريق غير الوحي، وفي ذلك يقول الشوكاني: «والحق أن قول الصحابي ليس بحجّة، فإن الله سبحانه وتعالى لم يبعث الى هذه إلا نبيّنا محمداً(صلى الله عليه وآله) وليس لنا إلا رسول واحد، والصحابة ومن بعدهم مكلفون على السواء باتباع شرعه والكتاب والسُنّة، فمَن قال إنّه تقوم الحجة في دين الله بغيرهما، فقد قال في دين الله بما لا يثبت، وأثبت شرعاً لم يأمر به الله[ارشاد العقول : 361 ط دار الكتب العلمية].

نعم، نقل القسطلاني عن ابن التين وغيره: أن عمر استنبط ذلك من تقرير النبي(صلى الله عليه وآله) من صلّى معه في تلك الليالي وإن كان كره لهم خشية أن يفرض عليهم، فلمّا غاب النبي(صلى الله عليه وآله)حصل الأمن من ذلك، ورجح عند عمر ذلك لما في الاختلاف من افتراق الكلمة، ولأن

الاجتماع على واحد أنشط لكثير من المصلين[فتح الباري 4: 204].

ويلاحظ عليه أولاً: إنّ ما ذكره في آخر كلامه ليسوّغ جمع الناس على إمام واحد، مكان الأئمة المتعدّدة، بينما النقاش في أصل إقامتها جماعة، واحداً كان الإمام أو كثيراً.

وثانياً: إن معنى كلامه أن هناك أحكاماً لم تسنّ ما دام النبي حيّاً لمانع خاص، كخشية الفرض، ولكن في وسع آحاد الاُمة تشريعها بعد موته(صلى الله عليه وآله) ومفاده فتح باب التشريع بملاكات خاصة في وجه الاُمة الى يوم القيامة، وهذه رزيّة ليست بعدها رزية، وتلاعب بالدين وفتح الطريق لاستئصاله.


تخرصات للفرار من وصمة البدعة

ومن هذا كله يتضح أن صفة البدعة مستحكمة في صلاة التراويح، ومنطبقة عليها، خاصة مع قول عمر بن الخطاب: «إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل... نعمت البدعة هذه»[صحيح البخاري : 2/252، الموطأ : 73، كنز العمال: 8/408 ح 23466 ].

ولو لم تكن هذه بدعة بالرغم من قوله: إني أرى، وقوله بكل بصراحة: نعمت البدعة، فما هي البدعة إذاً ؟!

وإذا لم يكن الذي أحدث التراويح لأول مرة طبقاً لقول ابن عبدالبر في الاستيعاب، والسيوطي في تاريخ الخلفاء، ومحمد بن الشحنة في روضة المناظر ـ كما مر آنفاً ـ مبتدعاً، فمن هو المبتدع إذاً ؟

ومن هنا ظهرت محاولات لتخريج التراويح من دائرة البدعة وإدخالها في دائرة السنّة، واعطاء تفاسير لكلمة عمر «نعمت البدعة هذه» بحيث تخالف ظاهرها،، وها نحن نذكر هذه المحاولات وهي:

1 ـ محاولة ابن أبي الحديد المعتزلي، حيث ذكر أن لفظ البدعة يطلق على مفهومين، أحدهما: ما خالف الكتاب والسنّة; مثل صوم يوم النحر وأيام التشريق، فإنّه وإن كان صوماً إلاّ أنّه منهي عنه.

والثاني : ما لم يرد فيه نص، بل سكت عنه ففعله المسلمون بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) .

فإن اُريد بكون صلاة التراويح بدعة بالمفهوم الأول فلا نسلّم أنها بدعة بهذا التفسير. وقول عمر: إنّها لبدعة خبر مروي مشهور، ولكن أراد به البدعة بالتفسير الثاني[شرح النهج : 12 / 284.]....

وليته أورد كلامه هذا إيراداً، ولم يظهره اعتقاداً، فإنّ المعنى الأول ليس من البدعة، فإن مخالفة الكتاب والسُنّة لا تسمى بدعة وإنما تسمى اجتهاداً في مقابل النص، فيبقى معنى البدعة منحصراً بالمعنى الثاني الذي أورده، والذي قال: إن كلمة عمر تنطبق عليه، لأن البدعة ما أحدث على غير مثال سابق، والتراويح منها.

وليست البدعة ما أحدث على نحو مخالف لمثال سابق حتى يقال بأن البدعة هي مخالفة الكتاب والسنّة.

ثم قال في الصفحة التالية: «أليس يجوز للإنسان أن يخترع من النوافل صلوات مخصوصة بكيفيات مخصوصة واعداد ركعات مخصوصة ولا يكون ذلك مكروهاً ولا حراماً؟ فإنّه داخل تحت عموم ما ورد في فضل صلاة النافلة، ... والتراويح جائزة ومسنونة لأنها داخلة تحت عموم ما ورد في فضل صلاة الجماعة».

ولا أدري على أي مذهب فقهي يتم كلامه هذا ؟! فالمعروف لدى المسلمين أن العبادات الواجبة أو المستحبة توقيفية، وأن مفهوم العبادة متوقف على وجود أمر شرعي، فإذا ثبت الأمر الشرعي على نحو الوجوب أو الاستحباب كان المأمور به عبادة، وإلاّ فلا، والأمر الشرعي يتدخل في أصل العبادة، وفي شكلها وهيئتها.

بمعنى أنّها توقيفية في الأصل والشكل والهيئة، فكما لا يحق للإنسان تشريع أصل عبادة معينة كذلك لا يحق له تشريع هيئتها وشكلها، ولعل ابن أبي الحديد يرى أن الأمر بالنافلة وما ورد في فضل الجماعة يكفيان لإثبات شرعية صلاة ذات أشكال مخترعة من قبل العبد، وليس الأمر كذلك، فإنّ أخبار فضل النافلة وأخبار فضل الجماعة، تشير الى عبادات بهيئات مخصوصة صدرت عن صاحب الشرع(صلى الله عليه وآله)، وتطلب من المؤمنين إتيانها بالهيئة التي سنّها الرسول(صلى الله عليه وآله).

يقول الدكتور (يوسف القرضاوي) بشأن التوقيف في العبادات:

«قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء اُصول الشريعة نعلم أنّ العبادات التي أوجبها الله، أو أحبّها، لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع، وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى، وذلك لأنّ الأمر والنهي هما شرع الله، والعبادة لابدّ أن تكون مأموراً بها، فما لم يثبت أنّه مأمور به كيف يحكم عليه بأنّه محظور؟

ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله، وإلاّ دخلنا في معنى قوله تعالى: (أم لهم شُركاء شَرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله[ الشورى : 21])[الحلال والحرام في الاسلام: 36].

وقال (أبو يوسف ومحمّد): «لا يزيد بالليل على ركعتين بتسليمة واحدة»[ اللباب في شرح الكتاب لعبد الغني الحنفي: 1/91 ـ 92 وانظر: (الفقه الاسلامي وأدلته) للدكتور وهبة الزحيلي: 2/50].

وقال في (المهذّب): «والسنّة أن يسلّم من كل ركعتين، لما روي عن ابن عمر(رضي الله عنه)أن النبي(صلى الله عليه وآله) قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا رأيت أن الصبح تداركك فأوتر بواحدة»، وإن جمع ركعات بتسليمة جاز، لما روت عائشة أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) «كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، ويوتر من ذلك بخمس، يجلس في الآخرة ويسلّم، وأنه أوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهنّ بسلام»، وإن تطوّع بركعة جاز لما روي أن عمر(رضي الله عنه)«مرّ بالمسجد فصلى ركعة فتبعه رجل، فقال يا أمير المؤمنين إنما صليت ركعة، فقال: إنما هي تطوع فمن شاء زاد ومن شاء نقص».

وعقّب على ذلك (النووي) بالقول:

«.. في مذاهب العلماء في ذلك قد ذكرنا أنّه يجوز عندنا أن يجمع ركعات كثيرة من النوافل المطلقة بتسليمة، وأن الأفضل في صلاة الليل والنهار أن يسلّم من كل ركعتين، وبهذا قال مالك وأحمد وداود وابن المنذر، وحكي عن الحسن البصري وسعيد بن جبير، وقال أبو حنيفة: التسليم من ركعتين أو أربع في صلاة النهار، سواء في الفضيلة، ولا يزيد على ذلك، وصلاة الليل ركعتان وأربع وست وثمان بتسليمة، ولا يزيد على ثمان،وكان ابن عمر يصلي بالنهار أربعاً، واختاره اسحق»[المجمع من شرح المهذّب: 4/49 ـ 51].

فكيف يمكن أن يُدّعى بعد كل هذه الأقوال والآراء أن أحداً لم يقل بكراهة أو حرمة صلاة ثلاثين ركعة بتسليمة واحدة، كما قال ذلك المعتزلي بشكل قاطع، وأرسله إرسال المسلمات؟

وقال الشيخ يوسف البحراني في الحدائق الناضرة:

«لا ريب في أنّ الصلاة خير موضوع، إلاّ أنه متى اعتقد المكلف في ذلك أمراً زائداً على ما دلّت عليه هذه الأدلة، من عدد مخصوص، وزمان مخصوص، أو كيفية خاصة، ونحو ذلك، مما لم يقم عليه دليل في الشريعة، فإنّه يكون محرّماً وتكون عبادته بدعة، والبدعية ليست من حيث الصلاة، وإنما هي من حيث هذا التوظيف الذي اعتقده في هذا الوقت، والعدد والكيفية من غير أن يرد عليه دليل»[الحدائق الناضرة: 6/80].

2 ـ محاولة القاضي عبدالجبار المعتزلي في كتابه المغني، حيث كتب يقول عن التراويح: «إذا كان فيه الدعاء الى الصلاة، والتشدّد في حفظ القرآن، فما الذي يمنع أن يعمل به على وجه أنّه مسنون»[نقله عنه الشريف المرتضى في الشافي في الإمامة: 4/217].

وكلامه هذا يرجع في النتيجة الى كلام ابن أبي الحديد المعتزلي، وحينئذ فالجواب هو الجواب، فإن الصلاة عبادة والعبادة تحتاج الى قصد القربة، وقصد القربة لا يتم إلاّ بعد إثبات وجود أمر مولوي من الشارع، وصلاة التراويح على الهيئة والكيفية التي تقام بها لم يرد بها أمر شرعي، وحينئذ فإتيانها بعنوان أنّها عبادة تشريع محرّم وبدعة منكرة في الدين.

3 ـ محاولة ابن تيمية التي اعتبر فيها اطلاق عمر بن الخطاب عنوان البدعة على التراويح، تسمية لغوية لا تسمية شرعية، وأن المسلمين قد صلّوا التراويح في زمن الرسول وأن النبي(صلى الله عليه وآله) قد خرج معهم في ليلة أو ليلتين، ثم امتنع عن ذلك لعلة ذكرها، وهي: «أنّه لم يمنعني أن أخرج إليكم إلاّ كراهة أن يفرض عليكم، فصلّوا في بيوتكم...»، فعلم بذلك ـ والكلام لابن تيمية ـ أنّ المقتضي للخروج قائم، وأنّه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم «فلما كان في عهد عمر جمعهم على قارئ واحد وأسرج المسجد فصارت هذه الهيئة ـ وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج ـ عملاً لم يكونوا يعملونه من قبل، فسمي بدعة لأنه في اللغة يسمى بذلك، وإن لم يكن بدعة شرعية»[اقتضاء الصراط المستقيم : 276 ـ 277].

ولا يهمنا أن تكون تسمية عمر شرعية أم لغوية، إنما الذي يهمّنا هو اعترافه بأنه قد أضاف الى الشريعة أمراً لم يعرفه المسلمون من قبل، والأمر الذي أضافه حسب عبارة ابن تيمية نفسه هو اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج، والإسراج لا يهمنا لأنه ليس دخيلاً في العبادة، وإنما الذي يهمنا هو اجتماعهم في الصلاة خلف الإمام، ولعل ابن تيمية ذكر الإسراج لإيهام القارئ بأن ما قام به الخليفة عمل لا يدخل في صميم العبادة، وأن الاجتماع في المسجد على إمام واحد شأنه شأن الإسراج، فكما لايعد الإسراج بدعة لأنه لا يدخل في صميم العبادة، كذلك لايعد الاجتماع للصلاة وأداءها جماعة بدعة. فتكون نتيجة كلامه: أن عمر لم يبتدع في الشريعة، وإنما ابتدع في اُمور من خارجها كالإسراج، وهذا تمويه وخداع.

فقد اتضح من جواب المحاولة السابقة، أن أداء الصلاة جماعة أمر من صميم العبادة، ولا يمكن للعبد أن يتدخل فيه، ولابد له من أن يتبع أمر الشارع فيه، بخلاف الإسراج الذي هو خارج عن مفهوم العبادة، ولا يسمى إحداثه بدعة.

أما ادعاءه أن النبي(صلى الله عليه وآله)، قد خرج الى التراويح ليلة أو ليلتين، ثم انقطع عنها، فقد اتضح مما سبق عدم صحته، وهو يناقض قول عمر: «نعمت البدعة هذه» فإن كلامه هذا يدل على عدم وجود التراويح من قبل، والإتيان بعمل بعد فترة من الانقطاع عنه لا يسمى بدعة.

4 ـ محاولة تقسيم البدع، بحسب الأحكام الخمسة.

وهي من أسوأ المحاولات وأبعدها عن الواقع وروح الشريعة الإسلامية، وهي تعكس شدة الهاجس الذي يعيشه أصحاب هذه المحاولة تجاه قضية صلاة التراويح واعتراف عمر بن الخطاب الصريح بأنها بدعة.

فقد قالوا : إن البدعة تنقسم الى: بدعة محرمة، ومكروهة، ومباحة، والواجبة، والمستحبة[فتح الباري بشرح صحيح البخاري: 13/253، 96 كتاب الاعتصام باب الكتاب والسنّة، باب الاقتداء بسنن النبي(صلى الله عليه وآله)، ذيل الحديث 7277، جامع الاُصول في أحاديث الرسول(صلى الله عليه وآله) ابن الأثير: 1/280، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة، الباب الأوّل في الاستمساك بهما، ذيل الحديث 67].

والجواب الواضح المختصر على هذه المحاولة : إن للبدعة معنى واحداً واضحاً هو: ادخال ما ليس من الدين في الدين، وقد اتفق المسلمون عليه سنّة وشيعة، وهذا المعنى لا يقبل التقسيم بحسب الأحكام الخمسة. ولا بحسب الحسن والقُبح، نعم لو كان للبدعة معان متعددة لأمكننا تصور التقسيم فيها، بل لها معنى واحد هو المعنى المذموم المذكور في الكتاب والسُنّة، والذي حذّر النبي(صلى الله عليه وآله)منه وتوعد عليه بأشد العذاب، وليت القائلين بالتقسيم الخماسي أو الثنائي يستشهدون على كلامهم بآية أو حديث نبوي يشهد لصحة قولهم.

ولا يستطيعون ذلك، لا لأن الكتاب والسُنّة خاليان من الشاهد على هذا التقسيم فقط، وإنّما لأن التقسيم المذكور مستحيل عقلاً، فكما لا يمكن تقسيم الظلم الى حسن وقبيح، كذلك لا يمكن تقسيم البدعة الى بدعة حسنة واُخرى قبيحة، إذ أن البدعة عبارة عن الافتراء على الشريعة، ونسبة ما ليس منها بأنه منها، وهذا المعنى ملازم للقبح والذم، ولا يقبل الانفكاك عنهما بحال من الأحوال. بينما يفترض التقسيم المذكور إمكانية الانفكاك بين البدعة وبين القبح، وإمكانية وجود بدعة حسنة، وهذا ناشئ من أن نظرية التقسيم تعمل بالمعنى اللغوي للبدعة، وهو ما اخترع على غير مثال سابق، فإن هذا المخترَع يمكن أن يكون حسناً، ويمكن أن يكون قبيحاً، وهذا لا نقاش فيه، ونحن لسنا بصدد المعنى اللغوي، وإنّما الكلام كل الكلام في المعنى الشرعي، فإنهم يقعون في مغالطة كبيرة حينما يتحدثون عن البدعة بالمعنى الشرعي، ثم يدّعون قابليتها للتقسيم ويقسمونها فعلاً، ولكن طبقاً للمعنى اللغوي.


خلاصة الكلام

إن صلاة التراويح لا أساس لها في الكتاب والسُنّة، وأئمة أهل البيت(عليهم السلام)قد أكّدوا أنها من البدع التي لم يشرّعها الشارع الحكيم كما أنّها لم تكن في عصر النبي(صلى الله عليه وآله) وأبي بكر وفترة من عصر عمر بن الخطاب. بل إنها بدعة ظهرت بأمر من الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وإن كل المحاولات الرامية لتبرئتها من صفة البدعة محاولات فاشلة.

أسألكم الدعاء

طيب الزهراء
10-02-08, 11:39 PM
مناقشة الصحيحين

إن في حديث الشيخين مشاكل عديدة جديرة بالوقوف عليها:

المشكلة الاُولى: ما معنى قوله: «خشيت أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها»؟

فهل مفاده: أن ملاك التشريع هو إقبال الناس وإدبارهم، فإن كان هناك اهتمام ظاهر من قبل الناس، يفرض عليهم وإلاّ فلا يفرض ؟ مع أن الملاك في الفرض هو وجود مصالح واقعية في الحكم، سواء أكان هناك اهتمام ظاهر أم لا، فإن تشريعه سبحانه ليس تابعاً لرغبة الناس أو إعراضهم، وإنّـما يتّبع مجموعة من المصالح والمفاسد والتي هو أعلم بها سواء أكان هناك من الناس إقبال أم إدبار.

المشكلة الثانية: لو افترضنا أن الصحابة أظهروا اهتمامهم بصلاة التراويح باقامتها جماعة، أفيكون ذلك ملاكاً للفرض؟ فإن مسجد النبي(صلى الله عليه وآله) يومذاك كان مكاناً محدوداً لا يسع إلا ستة آلاف نفر أو أقل، فقد جاء في الفقه على المذاهب الخمسة: «كان مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله) 35 متراً في 30 متراً ثم زاده الرسول(صلى الله عليه وآله) وجعله 57 متراً في 50 متراً»[الفقه على المذاهب الخمسة : 285].

أفيمكن جعل اهتمامهم كاشفاً عن اهتمام جميع الناس في جميع العصور الى يوم القيامة؟

المشكلة الثالثة: هي وجود الاختلاف في عدد الليالي التي أقام النبي فيها نوافل رمضان جماعة. فعلى ما نقله البخاري في كتاب الصوم أن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله) صلّى التراويح مع الناس أربعة ليال، وعلى ما نقله في باب التحريض على قيام الليل، أنّه صلاها ليلتين، ووافقه مسلم على النقل الثاني، ويظهر مما ذكره غيرهما ـ كما مرّ في صدر المقال ـ أنّه(صلى الله عليه وآله) أقامها في ليال متفرقة (ليلة الثالث، والخامس، والسابع والعشرين). وهذا يعرب عن عدم الاهتمام بنقل فعل الرسول على ما هو عليه، فمن أين نطمئن على سائر ما جاء فيه من أنّ النبي استحسن عملهم؟

المشكلة الرابعة: أن الثابت من فعل النبي، أنّه صلاها ليلتين، أو أربع في آخر الليل، وهي لا تزيد عن ثماني ركعات. والتأسّي بالنبي يقتضي الاقتداء به فيما ثبت. لا فيما لم يثبت، بل ثبت عدمه بما صرّح به القسطلاني ووصف مازاد عليه بالبدعة وذلك:

1 ـ إنّ النبي لم يسنّ لهم الاجتماع لها.

2 ـ ولا كانت في زمن الصديق.

3 ـ ولا أول الليل.

4 ـ ولا كلّ ليلة.

5 ـ ولا هذا العدد[ارشاد الساري : 4/656، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان].

ثم التجأ في إثبات مشروعيّتها الى اجتهاد الخليفة.

وقال العيني: إن رسول الله لم يسنّها لهم، ولا كانت في زمن أبي بكر. ثم اعتمد ـ العيني ـ في شرعيّته الى اجتهاد عمر واستنباطه من إقرار الشارع الناس يصلّون خلفه ليلتين[عمدة القارئ: 6/ 126،كتاب التراويح، ذيل الحديث 116].

المشكلة الخامسة: أنه إذا أخذنا برواية أحد الثقلين، (أعني أهل البيت(عليهم السلام)) تُصبح إقامة النوافل جماعة بدعة على الاطلاق، وإن أخذنا برواية الشيخين، فالمقدار الثابت ما جاء في كلام القسطلاني، والزائد عنه يصحّ بدعة إضافية، والمقصود منها ما يكون العمل بذاته مشروعاً، والكيفية التي يقام بها، غير مشروعة.

ولم يبق ما يحتج به على المشروعية إلا جمع الخليفة الناس على إمام واحد وهو ما سنشرحه في البحث الآتي:


جمع الناس على إمام واحد في عصر عمر

روى البخاري : توفي رسول الله(صلى الله عليه وآله) والناس على ذلك (يعني عدم إقامة التراويح بالجماعة) ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر[الصحيح، باب فضل من قام رمضان: الحديث 2010].

وروى أيضاً عن عبدالرحمن بن عبدالقاري أنّه، قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان الى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرّقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط[الرهط: بين الثلاثة الى العشرة].

فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. ثم عزم فجمعهم على اُبيّ بن كعب، ثم خرجت معه ليلة اُخرى والناس يُصلّون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون . يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوّله.

ولكن الظاهر من شرّاح الصحيح أن الإتيان جماعة لم يكن مشروعاً، وإليك بيانه في ضمن أمرين:

1 ـ قوله : «فتوفي رسول الله(صلى الله عليه وآله) والناس على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر» فقد فسّره الشراح بقولهم: أي على ترك الجماعة في التراويح، ولم يكن رسول الله(صلى الله عليه وآله)جمع الناس على القيام[فتح الباري، لابن حجر العسقلاني 4: 203].

وقال بدر الدين العيني: والناس على ذلك (أي على ترك الجماعة) ثم قال: فإن قلت روى ابن وهب عن أبي هريرة خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله) واذا الناس في رمضان يصلّون في ناحية المسجد، فقال: «ما هذا؟» فقيل: ناس يصلّي بهم اُبي بن كعب، فقال: «أصابوا، ونعم ما صنعوا»، ذكره ابن عبدالبر.

ثم أجاب بقوله: قلت: فيه مسلم بن خالد وهو ضعيف، والمحفوظ أن عمر(رضي الله عنه) هو الذي جمع الناس على اُبي بن كعب[عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري 6: 125، وجاء نفس السؤال والجواب في فتح الباري].

وقال القسطلاني : «والأمر على ذلك (أي على ترك الجماعة في التراويح) ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، الى آخر ما ذكره»[ارشاد الساري : 4/ 656، كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان].

2 ـ قوله: نعم البدعة; أن الظاهر من قوله: «نعم البدعة هذه» أنّها من سُنن نفس الخليفة، ولا صلة لها بالشرع، وقد صرّح بذلك لفيف من العلماء.

قال القسطلاني: سماها (عمر) بدعة لأنه(صلى الله عليه وآله) لم يُسَنّ لهم الاجتماع لها، ولا كانت في زمن الصديق، ولا أوّل الليل، ولا كلّ ليلة ولا هذا العدد ـ الى أن قال: ـ وقيام رمضان ليس بدعة، لأنه(صلى الله عليه وآله)قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، وإذا أجمع الصحابة مع عمر على ذلك زال عنه اسم البدعة».

وقال العيني: «وإنما دعاها بدعة، لأن رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم يسنّها لهم، ولا كانت في زمن أبي بكر ولا رغب رسول الله(صلى الله عليه وآله)فيها»[عمدة القارئ 6: 126 وقد سقط لفظة لا من قوله و «رغب» كما ان كلمة بقوله ـ بعده هذه الجملة ـ في النسخة مصحف «قوله»، فلاحظ].

والاتفاق حاصل بين علماء الجمهور على أن عمر أول من سنّ الجماعة، فبالاضافة الى ما تقدم في هذا المعنى، نذكر من أقوالهم:

1 ـ قال ابن سعد في ترجمة عمر: «هو أول من سنّ قيام شهر رمضان بالتراويح، وجمع الناس على ذلك، وكتب به الى البلدان وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة»[الطبقات الكبرى 3: 281].

2 ـ وقال ابن عبدالبر في ترجمة عمر: «وهو الذي نور شهر الصوم بصلاة الاشفاع فيه»[الاستيعاب 3: 1145].

قال الوليد بن الشحنة عند ذكر وفاة عمر في حوادث سنة (23هـ ) : «وهو أول من نهى عن بيع اُمهات الأولاد... وأول من جمع الناس على إمام يصلّي بهم التروايح»[روضة المناظر كما في النص والاجتهاد: 150].

فإذا كان المفروض أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) لم يسنّ الجماعة فيها، وإنما سنّها عمر، فهل هذا سند مشروعيتها أم بدعيتها؟ مع أنّه ليس لإنسان حتى الرسول حق ذاتي في التسنين والتشريع، وإنما هو(صلى الله عليه وآله)مبلّغ عن الله سبحانه في التشريع ومجاز عنه في التسنين، فهل يجوز لغير الرسول ما لا يجوز له(صلى الله عليه وآله) ؟!

إن الوحي يحمل التشريع الى النبي الأكرم وهو(صلى الله عليه وآله)الموحى إليه، وبموته انقطع الوحي، وسدّ باب التشريع والتسنين، فليس للاُمة إلا الاجتهاد في ضوء الكتاب والسنّة، لا التشريع ولا التسنين، ومن رأى أن لغير الله سبحانه حق التسنين فمعنى ذلك عدم انقطاع الوحي.

قال ابن الأثير في نهايته: ومن هذا النوع قول عمر : «نعمت البدعة هذه (التراويح) لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح سماها بدعة ومدحها، إلاّ أن النبي(صلى الله عليه وآله) لم يسنّها لهم، وإنما صلاها ليالي ثم تركها، ولم يحافظ عليها، ولا جمع الناس لها، ولا كانت في زمن أبي بكر، وإنما عمر جمع الناس عليها، وندبهم إليها، فبهذا سمّاها بدعة، وهي في الحقيقة سنّة، لقوله(صلى الله عليه وآله): «عليكم بسنّتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي»، وقوله: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر»[النهاية 1: 106، 107، باب الباء مع الدال ].


التشريع مختصّ بالله سبحانه

إنّ هؤلاء الأكابر مع اعترافهم بأن النبي لم يسنّ الاجتماع، أسندوا إقامتها جماعة الى عمل الخليفة، ومعنى ذلك أن له حق التسنين والتشريع، وهذا يضاد اجماع الاُمة، إذ لا حقَّ لأي إنسان أن يتدخل في أمر الشريعة بعد إكمالها، لقوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)[سورة المائدة : 3] وكلامه يخالف الكتاب والسنّة، فإن التشريع حق لله سبحانه لم يفوضه لأحد، والنبي الأكرم مبلغ عنه.

أضف الى ذلك لو أن الخليفة قد تلقى ضوءاً أخضر في مجال التشريع والتسنين، فلم لا يكون لسائر الصحابة ذلك، مع كون بعضهم أقرأ منه، كأُبي بن كعب، وأفرض، كزيد بن ثابت، وأعلم وأقضى منه، كعلي بن أبي طالب(عليه السلام) ؟ فلو كان للجميع ذلك لانتشر الفساد وعمّت الفوضى أمر الدين، وكان اُلعوبة بأيدي غير المعصومين.

وأمّا التمسك بالحديثين، فلو صح سندهما فإنّهما لا يهدفان الى أن لهما حق التشريع، بل يفيدان لزوم الاقتداء بهما، لأنهما يعتمدان على سنّة النبي الأكرم، لا أنّ لهما حق التسنين.

نعم، يظهر ممّا رواه السيوطي عن عمر بن عبدالعزيز أنّه كان يعتقد أن للخلفاء حق التسنين، قال: قال حاجب بن خليفة شهدت عمر بن عبدالعزيز يخطب وهو خليفة، فقال في خطبته: ألا إن ما سنّ رسول الله وصاحباه فهو دين نأخذ به، وننتهي إليه، وما سنّ سواهما فإنا نرجئه[تاريخ الخلفاء : 241]. وهو كما ترى.

وعلى كل تقدير، فإنّ الله سبحانه لم يفوّض أمر دينه في التشريع والتقنين الى طريق غير الوحي، وفي ذلك يقول الشوكاني: «والحق أن قول الصحابي ليس بحجّة، فإن الله سبحانه وتعالى لم يبعث الى هذه إلا نبيّنا محمداً(صلى الله عليه وآله) وليس لنا إلا رسول واحد، والصحابة ومن بعدهم مكلفون على السواء باتباع شرعه والكتاب والسُنّة، فمَن قال إنّه تقوم الحجة في دين الله بغيرهما، فقد قال في دين الله بما لا يثبت، وأثبت شرعاً لم يأمر به الله[ارشاد العقول : 361 ط دار الكتب العلمية].

نعم، نقل القسطلاني عن ابن التين وغيره: أن عمر استنبط ذلك من تقرير النبي(صلى الله عليه وآله) من صلّى معه في تلك الليالي وإن كان كره لهم خشية أن يفرض عليهم، فلمّا غاب النبي(صلى الله عليه وآله)حصل الأمن من ذلك، ورجح عند عمر ذلك لما في الاختلاف من افتراق الكلمة، ولأن

الاجتماع على واحد أنشط لكثير من المصلين[فتح الباري 4: 204].

ويلاحظ عليه أولاً: إنّ ما ذكره في آخر كلامه ليسوّغ جمع الناس على إمام واحد، مكان الأئمة المتعدّدة، بينما النقاش في أصل إقامتها جماعة، واحداً كان الإمام أو كثيراً.

وثانياً: إن معنى كلامه أن هناك أحكاماً لم تسنّ ما دام النبي حيّاً لمانع خاص، كخشية الفرض، ولكن في وسع آحاد الاُمة تشريعها بعد موته(صلى الله عليه وآله) ومفاده فتح باب التشريع بملاكات خاصة في وجه الاُمة الى يوم القيامة، وهذه رزيّة ليست بعدها رزية، وتلاعب بالدين وفتح الطريق لاستئصاله.


تخرصات للفرار من وصمة البدعة

ومن هذا كله يتضح أن صفة البدعة مستحكمة في صلاة التراويح، ومنطبقة عليها، خاصة مع قول عمر بن الخطاب: «إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل... نعمت البدعة هذه»[صحيح البخاري : 2/252، الموطأ : 73، كنز العمال: 8/408 ح 23466 ].

ولو لم تكن هذه بدعة بالرغم من قوله: إني أرى، وقوله بكل بصراحة: نعمت البدعة، فما هي البدعة إذاً ؟!

وإذا لم يكن الذي أحدث التراويح لأول مرة طبقاً لقول ابن عبدالبر في الاستيعاب، والسيوطي في تاريخ الخلفاء، ومحمد بن الشحنة في روضة المناظر ـ كما مر آنفاً ـ مبتدعاً، فمن هو المبتدع إذاً ؟

ومن هنا ظهرت محاولات لتخريج التراويح من دائرة البدعة وإدخالها في دائرة السنّة، واعطاء تفاسير لكلمة عمر «نعمت البدعة هذه» بحيث تخالف ظاهرها،، وها نحن نذكر هذه المحاولات وهي:

1 ـ محاولة ابن أبي الحديد المعتزلي، حيث ذكر أن لفظ البدعة يطلق على مفهومين، أحدهما: ما خالف الكتاب والسنّة; مثل صوم يوم النحر وأيام التشريق، فإنّه وإن كان صوماً إلاّ أنّه منهي عنه.

والثاني : ما لم يرد فيه نص، بل سكت عنه ففعله المسلمون بعد وفاة رسول الله(صلى الله عليه وآله) .

فإن اُريد بكون صلاة التراويح بدعة بالمفهوم الأول فلا نسلّم أنها بدعة بهذا التفسير. وقول عمر: إنّها لبدعة خبر مروي مشهور، ولكن أراد به البدعة بالتفسير الثاني[شرح النهج : 12 / 284.]....

وليته أورد كلامه هذا إيراداً، ولم يظهره اعتقاداً، فإنّ المعنى الأول ليس من البدعة، فإن مخالفة الكتاب والسُنّة لا تسمى بدعة وإنما تسمى اجتهاداً في مقابل النص، فيبقى معنى البدعة منحصراً بالمعنى الثاني الذي أورده، والذي قال: إن كلمة عمر تنطبق عليه، لأن البدعة ما أحدث على غير مثال سابق، والتراويح منها.

وليست البدعة ما أحدث على نحو مخالف لمثال سابق حتى يقال بأن البدعة هي مخالفة الكتاب والسنّة.

ثم قال في الصفحة التالية: «أليس يجوز للإنسان أن يخترع من النوافل صلوات مخصوصة بكيفيات مخصوصة واعداد ركعات مخصوصة ولا يكون ذلك مكروهاً ولا حراماً؟ فإنّه داخل تحت عموم ما ورد في فضل صلاة النافلة، ... والتراويح جائزة ومسنونة لأنها داخلة تحت عموم ما ورد في فضل صلاة الجماعة».

ولا أدري على أي مذهب فقهي يتم كلامه هذا ؟! فالمعروف لدى المسلمين أن العبادات الواجبة أو المستحبة توقيفية، وأن مفهوم العبادة متوقف على وجود أمر شرعي، فإذا ثبت الأمر الشرعي على نحو الوجوب أو الاستحباب كان المأمور به عبادة، وإلاّ فلا، والأمر الشرعي يتدخل في أصل العبادة، وفي شكلها وهيئتها.

بمعنى أنّها توقيفية في الأصل والشكل والهيئة، فكما لا يحق للإنسان تشريع أصل عبادة معينة كذلك لا يحق له تشريع هيئتها وشكلها، ولعل ابن أبي الحديد يرى أن الأمر بالنافلة وما ورد في فضل الجماعة يكفيان لإثبات شرعية صلاة ذات أشكال مخترعة من قبل العبد، وليس الأمر كذلك، فإنّ أخبار فضل النافلة وأخبار فضل الجماعة، تشير الى عبادات بهيئات مخصوصة صدرت عن صاحب الشرع(صلى الله عليه وآله)، وتطلب من المؤمنين إتيانها بالهيئة التي سنّها الرسول(صلى الله عليه وآله).

يقول الدكتور (يوسف القرضاوي) بشأن التوقيف في العبادات:

«قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء اُصول الشريعة نعلم أنّ العبادات التي أوجبها الله، أو أحبّها، لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع، وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى، وذلك لأنّ الأمر والنهي هما شرع الله، والعبادة لابدّ أن تكون مأموراً بها، فما لم يثبت أنّه مأمور به كيف يحكم عليه بأنّه محظور؟

ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله، وإلاّ دخلنا في معنى قوله تعالى: (أم لهم شُركاء شَرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله[ الشورى : 21])[الحلال والحرام في الاسلام: 36].

وقال (أبو يوسف ومحمّد): «لا يزيد بالليل على ركعتين بتسليمة واحدة»[ اللباب في شرح الكتاب لعبد الغني الحنفي: 1/91 ـ 92 وانظر: (الفقه الاسلامي وأدلته) للدكتور وهبة الزحيلي: 2/50].

وقال في (المهذّب): «والسنّة أن يسلّم من كل ركعتين، لما روي عن ابن عمر(رضي الله عنه)أن النبي(صلى الله عليه وآله) قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا رأيت أن الصبح تداركك فأوتر بواحدة»، وإن جمع ركعات بتسليمة جاز، لما روت عائشة أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) «كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، ويوتر من ذلك بخمس، يجلس في الآخرة ويسلّم، وأنه أوتر بسبع وبخمس لا يفصل بينهنّ بسلام»، وإن تطوّع بركعة جاز لما روي أن عمر(رضي الله عنه)«مرّ بالمسجد فصلى ركعة فتبعه رجل، فقال يا أمير المؤمنين إنما صليت ركعة، فقال: إنما هي تطوع فمن شاء زاد ومن شاء نقص».

وعقّب على ذلك (النووي) بالقول:

«.. في مذاهب العلماء في ذلك قد ذكرنا أنّه يجوز عندنا أن يجمع ركعات كثيرة من النوافل المطلقة بتسليمة، وأن الأفضل في صلاة الليل والنهار أن يسلّم من كل ركعتين، وبهذا قال مالك وأحمد وداود وابن المنذر، وحكي عن الحسن البصري وسعيد بن جبير، وقال أبو حنيفة: التسليم من ركعتين أو أربع في صلاة النهار، سواء في الفضيلة، ولا يزيد على ذلك، وصلاة الليل ركعتان وأربع وست وثمان بتسليمة، ولا يزيد على ثمان،وكان ابن عمر يصلي بالنهار أربعاً، واختاره اسحق»[المجمع من شرح المهذّب: 4/49 ـ 51].

فكيف يمكن أن يُدّعى بعد كل هذه الأقوال والآراء أن أحداً لم يقل بكراهة أو حرمة صلاة ثلاثين ركعة بتسليمة واحدة، كما قال ذلك المعتزلي بشكل قاطع، وأرسله إرسال المسلمات؟

وقال الشيخ يوسف البحراني في الحدائق الناضرة:

«لا ريب في أنّ الصلاة خير موضوع، إلاّ أنه متى اعتقد المكلف في ذلك أمراً زائداً على ما دلّت عليه هذه الأدلة، من عدد مخصوص، وزمان مخصوص، أو كيفية خاصة، ونحو ذلك، مما لم يقم عليه دليل في الشريعة، فإنّه يكون محرّماً وتكون عبادته بدعة، والبدعية ليست من حيث الصلاة، وإنما هي من حيث هذا التوظيف الذي اعتقده في هذا الوقت، والعدد والكيفية من غير أن يرد عليه دليل»[الحدائق الناضرة: 6/80].

2 ـ محاولة القاضي عبدالجبار المعتزلي في كتابه المغني، حيث كتب يقول عن التراويح: «إذا كان فيه الدعاء الى الصلاة، والتشدّد في حفظ القرآن، فما الذي يمنع أن يعمل به على وجه أنّه مسنون»[نقله عنه الشريف المرتضى في الشافي في الإمامة: 4/217].

وكلامه هذا يرجع في النتيجة الى كلام ابن أبي الحديد المعتزلي، وحينئذ فالجواب هو الجواب، فإن الصلاة عبادة والعبادة تحتاج الى قصد القربة، وقصد القربة لا يتم إلاّ بعد إثبات وجود أمر مولوي من الشارع، وصلاة التراويح على الهيئة والكيفية التي تقام بها لم يرد بها أمر شرعي، وحينئذ فإتيانها بعنوان أنّها عبادة تشريع محرّم وبدعة منكرة في الدين.

3 ـ محاولة ابن تيمية التي اعتبر فيها اطلاق عمر بن الخطاب عنوان البدعة على التراويح، تسمية لغوية لا تسمية شرعية، وأن المسلمين قد صلّوا التراويح في زمن الرسول وأن النبي(صلى الله عليه وآله) قد خرج معهم في ليلة أو ليلتين، ثم امتنع عن ذلك لعلة ذكرها، وهي: «أنّه لم يمنعني أن أخرج إليكم إلاّ كراهة أن يفرض عليكم، فصلّوا في بيوتكم...»، فعلم بذلك ـ والكلام لابن تيمية ـ أنّ المقتضي للخروج قائم، وأنّه لولا خوف الافتراض لخرج إليهم «فلما كان في عهد عمر جمعهم على قارئ واحد وأسرج المسجد فصارت هذه الهيئة ـ وهي اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج ـ عملاً لم يكونوا يعملونه من قبل، فسمي بدعة لأنه في اللغة يسمى بذلك، وإن لم يكن بدعة شرعية»[اقتضاء الصراط المستقيم : 276 ـ 277].

ولا يهمنا أن تكون تسمية عمر شرعية أم لغوية، إنما الذي يهمّنا هو اعترافه بأنه قد أضاف الى الشريعة أمراً لم يعرفه المسلمون من قبل، والأمر الذي أضافه حسب عبارة ابن تيمية نفسه هو اجتماعهم في المسجد على إمام واحد مع الإسراج، والإسراج لا يهمنا لأنه ليس دخيلاً في العبادة، وإنما الذي يهمنا هو اجتماعهم في الصلاة خلف الإمام، ولعل ابن تيمية ذكر الإسراج لإيهام القارئ بأن ما قام به الخليفة عمل لا يدخل في صميم العبادة، وأن الاجتماع في المسجد على إمام واحد شأنه شأن الإسراج، فكما لايعد الإسراج بدعة لأنه لا يدخل في صميم العبادة، كذلك لايعد الاجتماع للصلاة وأداءها جماعة بدعة. فتكون نتيجة كلامه: أن عمر لم يبتدع في الشريعة، وإنما ابتدع في اُمور من خارجها كالإسراج، وهذا تمويه وخداع.

فقد اتضح من جواب المحاولة السابقة، أن أداء الصلاة جماعة أمر من صميم العبادة، ولا يمكن للعبد أن يتدخل فيه، ولابد له من أن يتبع أمر الشارع فيه، بخلاف الإسراج الذي هو خارج عن مفهوم العبادة، ولا يسمى إحداثه بدعة.

أما ادعاءه أن النبي(صلى الله عليه وآله)، قد خرج الى التراويح ليلة أو ليلتين، ثم انقطع عنها، فقد اتضح مما سبق عدم صحته، وهو يناقض قول عمر: «نعمت البدعة هذه» فإن كلامه هذا يدل على عدم وجود التراويح من قبل، والإتيان بعمل بعد فترة من الانقطاع عنه لا يسمى بدعة.

4 ـ محاولة تقسيم البدع، بحسب الأحكام الخمسة.

وهي من أسوأ المحاولات وأبعدها عن الواقع وروح الشريعة الإسلامية، وهي تعكس شدة الهاجس الذي يعيشه أصحاب هذه المحاولة تجاه قضية صلاة التراويح واعتراف عمر بن الخطاب الصريح بأنها بدعة.

فقد قالوا : إن البدعة تنقسم الى: بدعة محرمة، ومكروهة، ومباحة، والواجبة، والمستحبة[فتح الباري بشرح صحيح البخاري: 13/253، 96 كتاب الاعتصام باب الكتاب والسنّة، باب الاقتداء بسنن النبي(صلى الله عليه وآله)، ذيل الحديث 7277، جامع الاُصول في أحاديث الرسول(صلى الله عليه وآله) ابن الأثير: 1/280، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة، الباب الأوّل في الاستمساك بهما، ذيل الحديث 67].

والجواب الواضح المختصر على هذه المحاولة : إن للبدعة معنى واحداً واضحاً هو: ادخال ما ليس من الدين في الدين، وقد اتفق المسلمون عليه سنّة وشيعة، وهذا المعنى لا يقبل التقسيم بحسب الأحكام الخمسة. ولا بحسب الحسن والقُبح، نعم لو كان للبدعة معان متعددة لأمكننا تصور التقسيم فيها، بل لها معنى واحد هو المعنى المذموم المذكور في الكتاب والسُنّة، والذي حذّر النبي(صلى الله عليه وآله)منه وتوعد عليه بأشد العذاب، وليت القائلين بالتقسيم الخماسي أو الثنائي يستشهدون على كلامهم بآية أو حديث نبوي يشهد لصحة قولهم.

ولا يستطيعون ذلك، لا لأن الكتاب والسُنّة خاليان من الشاهد على هذا التقسيم فقط، وإنّما لأن التقسيم المذكور مستحيل عقلاً، فكما لا يمكن تقسيم الظلم الى حسن وقبيح، كذلك لا يمكن تقسيم البدعة الى بدعة حسنة واُخرى قبيحة، إذ أن البدعة عبارة عن الافتراء على الشريعة، ونسبة ما ليس منها بأنه منها، وهذا المعنى ملازم للقبح والذم، ولا يقبل الانفكاك عنهما بحال من الأحوال. بينما يفترض التقسيم المذكور إمكانية الانفكاك بين البدعة وبين القبح، وإمكانية وجود بدعة حسنة، وهذا ناشئ من أن نظرية التقسيم تعمل بالمعنى اللغوي للبدعة، وهو ما اخترع على غير مثال سابق، فإن هذا المخترَع يمكن أن يكون حسناً، ويمكن أن يكون قبيحاً، وهذا لا نقاش فيه، ونحن لسنا بصدد المعنى اللغوي، وإنّما الكلام كل الكلام في المعنى الشرعي، فإنهم يقعون في مغالطة كبيرة حينما يتحدثون عن البدعة بالمعنى الشرعي، ثم يدّعون قابليتها للتقسيم ويقسمونها فعلاً، ولكن طبقاً للمعنى اللغوي.


خلاصة الكلام

إن صلاة التراويح لا أساس لها في الكتاب والسُنّة، وأئمة أهل البيت(عليهم السلام)قد أكّدوا أنها من البدع التي لم يشرّعها الشارع الحكيم كما أنّها لم تكن في عصر النبي(صلى الله عليه وآله) وأبي بكر وفترة من عصر عمر بن الخطاب. بل إنها بدعة ظهرت بأمر من الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وإن كل المحاولات الرامية لتبرئتها من صفة البدعة محاولات فاشلة.

أسألكم الدعاء

ابو زهراء النجفي
11-02-08, 08:19 PM
موفقين لكل خير

بارك الله فيكم

طيب الزهراء
20-02-08, 08:59 PM
مشكورين على مروركم الكريم

حب الحسين أجنني
20-02-08, 09:44 PM
كل الشكر على مجهودكم

أحسنتِ وبارك الله فيكِ

تقبلي مروري

طيب الزهراء
20-02-08, 09:52 PM
مشكورين على مروركم الكريم