بو ساره
02-03-08, 10:10 PM
في حياة المؤمن ، الدعاء يشكل أساساً متيناً لشخصيته ، لأنه يؤمن بالله تعالى القادر على كل شيء ، والذي بيده ملكوت السماوات والأرض ، فالله هو الرحمن الرحيم ، الذي وسعت رحمته كل شيء ، وهو اللطيف بعباده ، الرؤوف بمخلوقاته ، وهو القادر على ما يريد ، الكريم الذي لم يجعل بينه وبين عبده ما يحجبه عنه سبحانه وتعالى .
فقد جعل أبوابه مفتَّحة لدعاء الداعين ، وقال لعباده : ( ادعُونِي أَستَجِب لَكُم ) غافر : 60 .
والمؤمن يتحبب إلى ربه وخالقه سبحانه بالتحدث إليه ، وطلب المزيد من رضاه ورحمته ، ويستأنس بالدعاء والمناجاة إذا استوحش من الدنيا ، ويتلذذ بالقرب منه تعالى ، والدعاء مناجاة تزول به الهموم والكروب ، وتطمئن النفس باللجوء إلى مَن بيده مقاليد الأمور .
والمؤمن يلجأ إلى الله ويثق بقدراته ، لأن الإنسان كلما ازداد معرفة بالله وعلماً ازداد إيماناً وتضرعاً وطاعةً ، وأكثر الناس معرفة وعلماً بالله سبحانه وتعالى أكثرهم له مسألة وطلباً .
هكذا يقف العارفون بربهم ، أذلاء خاشعين لم تنسهم دنياهم ذكر الله ، ولم تلههم تجارتهم عن المناجاة مع الله ، وهم يعلمون أن الإنسان قد يتعرض للخطأ في معاملاته ، وقد يقترف السيئة فيؤوب إلى ربه منيباً مذعناً معترفاً يطلب التوبة والمغفرة .
فليس أمام العبد الذي أوبقته الذنوب إلا التوبة والإنابة إلى الله والدعاء إليه لأنه لا مفرَّ من الله إلا إليه ، فلنجتهد في مرضاته ، ونعدُّ العدَّة لملاقاته ، عسى أن نحظى بلقائه بوجوه بيضاء مشرقة بالإيمان الصادق والعمل الصالح ، فحاشا لله أن يناجيه العبد ويمدُّ إليه يدَ الاستكانة والمذلة ويرده وهو الكريم الجواد ، فالله تعالى لا يرد السائلين ، وإن أخَّر ذلك إلى حين فلحكمة هو يراها .
فهو الذي أخذ على نفسه أن لا يخيب من دعاه ، وهو بعباده رؤوف رحيم ، يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ، فَمَن غير الله ندعوه ونتوسل إليه ، وهو أرحم بنا من أبوينا ؟ وقد جربنا ظلم العباد للعباد .
و للدعاء آداب كثير ومهمة وعديدة نذكرها تباعا ً ومنها :
آداب الدعاء :
لقد حدَّدت النصوص الإسلامية عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) وآل البيت ( عليهم السلام ) آداباً للدعاء ، وقررت شروطاً لابد للداعي أن يراعيها كي يتقرب إلى خزائن رحمة الله تعالى وذخائر لطفه ، ويتحقّق مطلوبه من الدعاء ، وإذا أهملها الداعي فلا تتحقق له الاستجابة المرجوة من الدعاء ، ولا تحصل له نورانية القلب ، وتهذيب النفس ، وسُمُوُّ الروح المطلوبة في الدعاء ، وفيما يلي أهم هذه الشروط والآداب :
الأول :الطهارة :
من آداب الدعاء أن يكون الداعي على وضوء ، سيَّما إذا أراد الدعاء عقيب الصلاة ، فقد رَوَى مسمع عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : ( يا مسمع ، ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غَمٌّ من غموم الدنيا أن يتوضأ ثم يدخل مسجده ، فيركع ركعتين فيدعو الله فيهما ؟ ) .
الثاني : الصدقة ، وشمُّ الطيب ، والذهاب إلى المسجد :
روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : ( كان أبي إذا طلب الحاجة .. قدَّم شيئاً فتصدق به ، وشمَّ شيئاً من طيب ، وراح إلى المسجد ) .
الثالث : الصلاة :
ويستحب أن يصلي الداعي ركعتين قبل أن يشرع بالدعاء ، فقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم صلى ركعتين ، فأتمَّ ركوعهما وسجودهما ، ثم سلَّم وأثنى على الله عزَّ وجل وعلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثم سأل حاجته فقد طلب الخير في مظانِّه ، ومن طلب الخير في مظانِّه لم يخب ) .
الرابع : البسملة :
ومن آداب الدعاء أن يبدأ الداعي دعاءه بالبسملة ، لقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( لا يُرَدُّ دعاءٌ أوَّله بسم الله الرحمن الرحيم ) .
الخامس : الثناء على الله تعالى :
ينبغي للداعي إذا أراد أن يسأل ربه شيئاً من حوائج الدنيا والآخرة أن يحمد الله ويثني عليه ، ويشكر ألطافه ونعمه قبل أن يشرع في الدعاء .
يقول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره ، وسبباً للمزيد من فضله ) ، وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( إذا طلب أحدكم الحاجة فَليُثنِ على ربه وليمدحه ) .
وقد أعدَّ الله تعالى لمن يمدحه ويُمَجِّده على حسن آلائه جزيل الثواب بما يفوق رغبة السائلين ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( من تشاغل بالثناء على الله ، أعطاه الله فوق رغبة السائلين ) .
أمّا ما يجزي من الثناء على الله سبحانه قبل الشروع بالدعاء ، فقد روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه سُئل عن ذلك فقال : ( تقول اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، وأنت العزيز الكريم ) .
السادس : الدعاء بالأسماء الحسنى :
على الداعي أن يدعو الله تعالى بأسمائه الحسنى لقوله تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) الأعراف : 180 ، وقوله تعالى : ( أيا ما تدعو قل ادعو الله أول ادعوا الرحمن فله الأسماء الحسنى ) الأسراء : 110 .
وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( لله عزوجل تسعة وتسعون اسماً ، من دعا الله بها استجيب له ) .
يقول بعض أهل العلم : ينبغي للداعي إذا مجَّد الله سبحانه وأثنى عليه أن يذكر من أسماء الله الحسنى ما يناسب مطلوبه ، فإذا كان مطلوبه ( الرزق ) يقول : يا رزاق ، يا وهاب ، يا جواد ، يا مغني ، يا منعم ، يا مفضل ، يا معطي ، يا كريم ، يا واسع ، يا مسبب الأسباب ، يا منان ، يا رزاق من يشاء بغير حساب .
وإن كان مطلوبه ( المغفرة والتوبة ) ، يقول : يا تواب ، يا رحمن ، يا رحيم ، يا رؤوف ، يا عطوف ، يا صبور ، يا شكور ، يا عفو ، يا غفور ، يا فتاح ، يا ذا المجد والسماح ، يا محسن ، يا مجمل ، يا منعم .
وإن كان مطلوبه ( الانتقام ) من العدو يقول : يا عزيز ، يا جبار ، يا قهار ، يا منتقم ، ياذا البطش الشديد ، يا فعال لما يريد ، يا قاصم المردة ، يا طالب ، يا غالب ، يا مهلك ، يا مدرك ، يا من لا يعجزه شيء .
ولو كان مطلوبه ( العلم ) يقول : يا عالم ، يا فتاح ، يا هادي ، يا مرشد ، يا معز ، يا رافع ، وما أشبه ذلك .
وقد ورد في الروايات عن أهل البيت ( عليهم السلام ) تأكيدٌ كثير على الدعاء بالأسماء الحسنى ، وأنَّ الله تعالى يستجيب لعبده المؤمن إذا دعاه بأسمائه الحسنى ، خصوصاً في حال السجود .
السابع : الصلاة على النبي وآله ( عليهم السلام ) :
لابد للداعي أن يصلي على محمد وآله ( عليهم السلام ) بعد الحمد والثناء على الله سبحانه ، وهي تؤكد الولاء لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولأهل بيته المعصومين ( عليهم السلام ) الذي هو في امتداد الولاء لله تعالى ، لذا فهي من أهم الوسائل في صعود الأعمال واستجابة الدعاء .
قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( لا يزال الدعاء محجوباً حتى يصلى عليَّ وعلى أهل بيتي ) ، وقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( كل دعاء محجوب حتى يصلى على محمد وآل محمد ) .
وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( من دعا ولم يذكر النبي ( صلى الله عليه وآله ) رفرف الدعاء على رأسه ، فإذا ذكر النبي ( صلى الله عليه وآله ) رُفع الدعاء ) .
أما في كيفية الصلاة على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فقد روي بالإسناد عن بريدة ، قال : قلنا : يا رسول الله ، قد عُلِّمنا كيف نسلِّم عليك ، فكيف نصلّي عليك ؟ قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( قولوا : اللهمَّ اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وآل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم ، إنّك حميد مجيد ) .
ومن نماذج الصلاة على النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته ( عليهم السلام ) في الدعاء ما روي بالإسناد عن حريز ، قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : جعلت فداك ، كيف الصلاة على النبي ( صلى الله وآله ) ؟
فقال : ( قل : اللهمَّ صلِّ على محمد وأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً ، اللهمَّ صلِّ على محمد وأهل بيته الذين ألهمتهم علمك ، واستحفظتهم كتابك ، واسترعيتهم عبادك ، اللهمَّ صلِّ على محمد وأهل بيته الذين أمرت بطاعتهم وأوجبت حبهم ومودتهم ، اللهمَّ صلِّ على محمد وأهل بيته ، الذين جعلتهم ولاة أمرك بعد نبيك صلى الله عليه وعلى أهل بيته ) .
ومن أدب الدعاء عند سيد الساجدين الإمام علي بن الحسين ( عليهما السلام ) أنه يجعل الثناء والصلاة على النبي وآله مفتاحاً لأغلب فقرات الدعاء ، وهذا واضح لمن تأَمَّل الصحيفة السجادية ، وهو المراد بقوله ( صلى الله عليه وآله ) : ( لا تجعلوني كقدح الراكب ، إن الراكب يملأ قدحه فيشربه إذا شاء ، اجعلوني في أول الدعاء وآخره ووسطه ) .
الثامن : التوسل بمحمد وأهل بيته ( عليهم السلام ) :
وينبغي للداعي أن يلج من الأبواب التي أمر الله تعالى بها ، وأهل البيت ( عليهم السلام ) هم سفن النجاة لهذه الأمَّة ، فحريٌّ بمن دعا الله تعالى أن يتوسل إلى الله بهم ( عليهم السلام ) ، ويسأله بحقهم ، ويقدمهم بين يدي حوائجه .
قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( الأوصياء مني بهم تُنصر أُمتي ، وبهم يمطرون ، وبهم يدفع الله عنهم ، وبهم استجاب دعاءهم ) ، وقال الإمام الباقر ( عليه السلام ) : ( من دعا الله بنا أفلح ، ومن دعاه بغيرنا هلك واستهلك ) .
وعن داود الرقي ، قال : إني كنت أسمع أبا عبد الله ( عليه السلام ) أكثر ما يلحُّ به في الدعاء على الله بحق الخمسة ، يعني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين ( عليهم السلام ) .
ومن نماذج التوسل المروي عنهم ( عليهم السلام ) هو أن تقول : ( اللهم أني أتوجه إليك بمحمد وآل محمد ، وأتقرب بهم إليك ، وأقدمهم بين يدي حوائجي ) .
التاسع : الإقرار بالذنوب :
وعلى الداعي أن يعترف بذنوبه مقراً ، مذعناً ، تائباً عمَّا اقترفه من خطايا ، وما ارتكبه من ذنوب ، فقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( إنما هي مدحة ، ثم الثناء ، ثم الإقرار بالذنب ، ثم المسألة ، إنه والله ما خرج عبد من ذنب إلا بالإقرار ) .
وكان من دعاء أمير المؤمنين ( عليه السلام ) المروي عن كميل بن زياد : ( وقد أتيتك يا الهي بعد تقصيري وإسرافي على نفسي ، معتذراً نادماً ، منكسراً مستقيلاً ، مستغفراً منيباً ، مقراً مذعناً معترفاً ، لا أجد مفراً مما كان مني ، ولا مفزعاً أتوجه إليه في أمري ، غير قبولك عذري وإدخالك إياي في سعة من رحمتك ، اللهمَّ فاقبل عذري ، وارحم شدة ضري ، وفُكَّني من شدِّ وثاقي ) .
العاشر : المسألة :
وينبغي للداعي أن يذكر - بعد الثناء على الله تعالى والصلاة على النبي وآله ( عليهم السلام ) والإقرار بالذنب - ما يريد من خير الدنيا والآخرة ، وأن لا يستكثر مطلوبه ، لأنه يطلب من ربِّ السموات والأرض الذي لا يعجزه شيء ، ولا تنفد خزائن رحمته التي وسعت كل شيء .
وعليه أيضاً أن لا يستصغر صغيرة لصغرها ، لما روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : ( ولا تتركوا صغيرة لصِغَرها أن تدعوا بها ، إن صاحب الصغار هو صاحب الكبار ) ، وروي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال : ( ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها ، حتّى يسأله شسع نعله إذا انقطع ) .
ويستحب للداعي إذا كان دعاؤه عبادة خالصة يتقرب بها إلى مولاه أن يسأل ما يبقى جماله من خير القضاء في الآجلة والعاجلة ، وأن تعكس مسألته حالة الافتقار إلى الله تعالى التي يتساوى فيها جميع البشر .
جاء في الحديث القدسي : ( ياعبادي كُلُّكُم ضالٌّ إلا من هَدَيتُه ، فاسألوني الهدى أَهدِكم ، وكُلُّكُم فقير إلا من أغنيتُه ، فاسألوني الغِنى أرزقكم ، وكُلُّكُم مذنب إلا من عافيتُه ، فاسألوني المغفرةَ أغفر لكم ) .
ومن دعاء الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) : ( ياذا الجلال والإكرام ، أسألك عملاً تحب به من عمل به ، ويقيناً تنفع به من استيقن به حقَّ اليقين في نفاذ أمرك ، اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد ، واقبض على الصدق نفسي ، واقطع من الدنيا حاجتي ، واجعل فيما عندك رغبتي شوقاً إلى لقائك ، وهب لي صدق التوكل عليك ) .
لا تنسونا من دعاءكم .. آجركم الله
فقد جعل أبوابه مفتَّحة لدعاء الداعين ، وقال لعباده : ( ادعُونِي أَستَجِب لَكُم ) غافر : 60 .
والمؤمن يتحبب إلى ربه وخالقه سبحانه بالتحدث إليه ، وطلب المزيد من رضاه ورحمته ، ويستأنس بالدعاء والمناجاة إذا استوحش من الدنيا ، ويتلذذ بالقرب منه تعالى ، والدعاء مناجاة تزول به الهموم والكروب ، وتطمئن النفس باللجوء إلى مَن بيده مقاليد الأمور .
والمؤمن يلجأ إلى الله ويثق بقدراته ، لأن الإنسان كلما ازداد معرفة بالله وعلماً ازداد إيماناً وتضرعاً وطاعةً ، وأكثر الناس معرفة وعلماً بالله سبحانه وتعالى أكثرهم له مسألة وطلباً .
هكذا يقف العارفون بربهم ، أذلاء خاشعين لم تنسهم دنياهم ذكر الله ، ولم تلههم تجارتهم عن المناجاة مع الله ، وهم يعلمون أن الإنسان قد يتعرض للخطأ في معاملاته ، وقد يقترف السيئة فيؤوب إلى ربه منيباً مذعناً معترفاً يطلب التوبة والمغفرة .
فليس أمام العبد الذي أوبقته الذنوب إلا التوبة والإنابة إلى الله والدعاء إليه لأنه لا مفرَّ من الله إلا إليه ، فلنجتهد في مرضاته ، ونعدُّ العدَّة لملاقاته ، عسى أن نحظى بلقائه بوجوه بيضاء مشرقة بالإيمان الصادق والعمل الصالح ، فحاشا لله أن يناجيه العبد ويمدُّ إليه يدَ الاستكانة والمذلة ويرده وهو الكريم الجواد ، فالله تعالى لا يرد السائلين ، وإن أخَّر ذلك إلى حين فلحكمة هو يراها .
فهو الذي أخذ على نفسه أن لا يخيب من دعاه ، وهو بعباده رؤوف رحيم ، يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ، فَمَن غير الله ندعوه ونتوسل إليه ، وهو أرحم بنا من أبوينا ؟ وقد جربنا ظلم العباد للعباد .
و للدعاء آداب كثير ومهمة وعديدة نذكرها تباعا ً ومنها :
آداب الدعاء :
لقد حدَّدت النصوص الإسلامية عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) وآل البيت ( عليهم السلام ) آداباً للدعاء ، وقررت شروطاً لابد للداعي أن يراعيها كي يتقرب إلى خزائن رحمة الله تعالى وذخائر لطفه ، ويتحقّق مطلوبه من الدعاء ، وإذا أهملها الداعي فلا تتحقق له الاستجابة المرجوة من الدعاء ، ولا تحصل له نورانية القلب ، وتهذيب النفس ، وسُمُوُّ الروح المطلوبة في الدعاء ، وفيما يلي أهم هذه الشروط والآداب :
الأول :الطهارة :
من آداب الدعاء أن يكون الداعي على وضوء ، سيَّما إذا أراد الدعاء عقيب الصلاة ، فقد رَوَى مسمع عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : ( يا مسمع ، ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غَمٌّ من غموم الدنيا أن يتوضأ ثم يدخل مسجده ، فيركع ركعتين فيدعو الله فيهما ؟ ) .
الثاني : الصدقة ، وشمُّ الطيب ، والذهاب إلى المسجد :
روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : ( كان أبي إذا طلب الحاجة .. قدَّم شيئاً فتصدق به ، وشمَّ شيئاً من طيب ، وراح إلى المسجد ) .
الثالث : الصلاة :
ويستحب أن يصلي الداعي ركعتين قبل أن يشرع بالدعاء ، فقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( من توضأ فأحسن الوضوء ، ثم صلى ركعتين ، فأتمَّ ركوعهما وسجودهما ، ثم سلَّم وأثنى على الله عزَّ وجل وعلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثم سأل حاجته فقد طلب الخير في مظانِّه ، ومن طلب الخير في مظانِّه لم يخب ) .
الرابع : البسملة :
ومن آداب الدعاء أن يبدأ الداعي دعاءه بالبسملة ، لقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( لا يُرَدُّ دعاءٌ أوَّله بسم الله الرحمن الرحيم ) .
الخامس : الثناء على الله تعالى :
ينبغي للداعي إذا أراد أن يسأل ربه شيئاً من حوائج الدنيا والآخرة أن يحمد الله ويثني عليه ، ويشكر ألطافه ونعمه قبل أن يشرع في الدعاء .
يقول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره ، وسبباً للمزيد من فضله ) ، وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( إذا طلب أحدكم الحاجة فَليُثنِ على ربه وليمدحه ) .
وقد أعدَّ الله تعالى لمن يمدحه ويُمَجِّده على حسن آلائه جزيل الثواب بما يفوق رغبة السائلين ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( من تشاغل بالثناء على الله ، أعطاه الله فوق رغبة السائلين ) .
أمّا ما يجزي من الثناء على الله سبحانه قبل الشروع بالدعاء ، فقد روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه سُئل عن ذلك فقال : ( تقول اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء ، وأنت الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت الباطن فليس دونك شيء ، وأنت العزيز الكريم ) .
السادس : الدعاء بالأسماء الحسنى :
على الداعي أن يدعو الله تعالى بأسمائه الحسنى لقوله تعالى : ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ) الأعراف : 180 ، وقوله تعالى : ( أيا ما تدعو قل ادعو الله أول ادعوا الرحمن فله الأسماء الحسنى ) الأسراء : 110 .
وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( لله عزوجل تسعة وتسعون اسماً ، من دعا الله بها استجيب له ) .
يقول بعض أهل العلم : ينبغي للداعي إذا مجَّد الله سبحانه وأثنى عليه أن يذكر من أسماء الله الحسنى ما يناسب مطلوبه ، فإذا كان مطلوبه ( الرزق ) يقول : يا رزاق ، يا وهاب ، يا جواد ، يا مغني ، يا منعم ، يا مفضل ، يا معطي ، يا كريم ، يا واسع ، يا مسبب الأسباب ، يا منان ، يا رزاق من يشاء بغير حساب .
وإن كان مطلوبه ( المغفرة والتوبة ) ، يقول : يا تواب ، يا رحمن ، يا رحيم ، يا رؤوف ، يا عطوف ، يا صبور ، يا شكور ، يا عفو ، يا غفور ، يا فتاح ، يا ذا المجد والسماح ، يا محسن ، يا مجمل ، يا منعم .
وإن كان مطلوبه ( الانتقام ) من العدو يقول : يا عزيز ، يا جبار ، يا قهار ، يا منتقم ، ياذا البطش الشديد ، يا فعال لما يريد ، يا قاصم المردة ، يا طالب ، يا غالب ، يا مهلك ، يا مدرك ، يا من لا يعجزه شيء .
ولو كان مطلوبه ( العلم ) يقول : يا عالم ، يا فتاح ، يا هادي ، يا مرشد ، يا معز ، يا رافع ، وما أشبه ذلك .
وقد ورد في الروايات عن أهل البيت ( عليهم السلام ) تأكيدٌ كثير على الدعاء بالأسماء الحسنى ، وأنَّ الله تعالى يستجيب لعبده المؤمن إذا دعاه بأسمائه الحسنى ، خصوصاً في حال السجود .
السابع : الصلاة على النبي وآله ( عليهم السلام ) :
لابد للداعي أن يصلي على محمد وآله ( عليهم السلام ) بعد الحمد والثناء على الله سبحانه ، وهي تؤكد الولاء لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولأهل بيته المعصومين ( عليهم السلام ) الذي هو في امتداد الولاء لله تعالى ، لذا فهي من أهم الوسائل في صعود الأعمال واستجابة الدعاء .
قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( لا يزال الدعاء محجوباً حتى يصلى عليَّ وعلى أهل بيتي ) ، وقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( كل دعاء محجوب حتى يصلى على محمد وآل محمد ) .
وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( من دعا ولم يذكر النبي ( صلى الله عليه وآله ) رفرف الدعاء على رأسه ، فإذا ذكر النبي ( صلى الله عليه وآله ) رُفع الدعاء ) .
أما في كيفية الصلاة على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فقد روي بالإسناد عن بريدة ، قال : قلنا : يا رسول الله ، قد عُلِّمنا كيف نسلِّم عليك ، فكيف نصلّي عليك ؟ قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( قولوا : اللهمَّ اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وآل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم ، إنّك حميد مجيد ) .
ومن نماذج الصلاة على النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته ( عليهم السلام ) في الدعاء ما روي بالإسناد عن حريز ، قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : جعلت فداك ، كيف الصلاة على النبي ( صلى الله وآله ) ؟
فقال : ( قل : اللهمَّ صلِّ على محمد وأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهِّرهم تطهيراً ، اللهمَّ صلِّ على محمد وأهل بيته الذين ألهمتهم علمك ، واستحفظتهم كتابك ، واسترعيتهم عبادك ، اللهمَّ صلِّ على محمد وأهل بيته الذين أمرت بطاعتهم وأوجبت حبهم ومودتهم ، اللهمَّ صلِّ على محمد وأهل بيته ، الذين جعلتهم ولاة أمرك بعد نبيك صلى الله عليه وعلى أهل بيته ) .
ومن أدب الدعاء عند سيد الساجدين الإمام علي بن الحسين ( عليهما السلام ) أنه يجعل الثناء والصلاة على النبي وآله مفتاحاً لأغلب فقرات الدعاء ، وهذا واضح لمن تأَمَّل الصحيفة السجادية ، وهو المراد بقوله ( صلى الله عليه وآله ) : ( لا تجعلوني كقدح الراكب ، إن الراكب يملأ قدحه فيشربه إذا شاء ، اجعلوني في أول الدعاء وآخره ووسطه ) .
الثامن : التوسل بمحمد وأهل بيته ( عليهم السلام ) :
وينبغي للداعي أن يلج من الأبواب التي أمر الله تعالى بها ، وأهل البيت ( عليهم السلام ) هم سفن النجاة لهذه الأمَّة ، فحريٌّ بمن دعا الله تعالى أن يتوسل إلى الله بهم ( عليهم السلام ) ، ويسأله بحقهم ، ويقدمهم بين يدي حوائجه .
قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( الأوصياء مني بهم تُنصر أُمتي ، وبهم يمطرون ، وبهم يدفع الله عنهم ، وبهم استجاب دعاءهم ) ، وقال الإمام الباقر ( عليه السلام ) : ( من دعا الله بنا أفلح ، ومن دعاه بغيرنا هلك واستهلك ) .
وعن داود الرقي ، قال : إني كنت أسمع أبا عبد الله ( عليه السلام ) أكثر ما يلحُّ به في الدعاء على الله بحق الخمسة ، يعني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين ( عليهم السلام ) .
ومن نماذج التوسل المروي عنهم ( عليهم السلام ) هو أن تقول : ( اللهم أني أتوجه إليك بمحمد وآل محمد ، وأتقرب بهم إليك ، وأقدمهم بين يدي حوائجي ) .
التاسع : الإقرار بالذنوب :
وعلى الداعي أن يعترف بذنوبه مقراً ، مذعناً ، تائباً عمَّا اقترفه من خطايا ، وما ارتكبه من ذنوب ، فقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( إنما هي مدحة ، ثم الثناء ، ثم الإقرار بالذنب ، ثم المسألة ، إنه والله ما خرج عبد من ذنب إلا بالإقرار ) .
وكان من دعاء أمير المؤمنين ( عليه السلام ) المروي عن كميل بن زياد : ( وقد أتيتك يا الهي بعد تقصيري وإسرافي على نفسي ، معتذراً نادماً ، منكسراً مستقيلاً ، مستغفراً منيباً ، مقراً مذعناً معترفاً ، لا أجد مفراً مما كان مني ، ولا مفزعاً أتوجه إليه في أمري ، غير قبولك عذري وإدخالك إياي في سعة من رحمتك ، اللهمَّ فاقبل عذري ، وارحم شدة ضري ، وفُكَّني من شدِّ وثاقي ) .
العاشر : المسألة :
وينبغي للداعي أن يذكر - بعد الثناء على الله تعالى والصلاة على النبي وآله ( عليهم السلام ) والإقرار بالذنب - ما يريد من خير الدنيا والآخرة ، وأن لا يستكثر مطلوبه ، لأنه يطلب من ربِّ السموات والأرض الذي لا يعجزه شيء ، ولا تنفد خزائن رحمته التي وسعت كل شيء .
وعليه أيضاً أن لا يستصغر صغيرة لصغرها ، لما روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : ( ولا تتركوا صغيرة لصِغَرها أن تدعوا بها ، إن صاحب الصغار هو صاحب الكبار ) ، وروي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال : ( ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها ، حتّى يسأله شسع نعله إذا انقطع ) .
ويستحب للداعي إذا كان دعاؤه عبادة خالصة يتقرب بها إلى مولاه أن يسأل ما يبقى جماله من خير القضاء في الآجلة والعاجلة ، وأن تعكس مسألته حالة الافتقار إلى الله تعالى التي يتساوى فيها جميع البشر .
جاء في الحديث القدسي : ( ياعبادي كُلُّكُم ضالٌّ إلا من هَدَيتُه ، فاسألوني الهدى أَهدِكم ، وكُلُّكُم فقير إلا من أغنيتُه ، فاسألوني الغِنى أرزقكم ، وكُلُّكُم مذنب إلا من عافيتُه ، فاسألوني المغفرةَ أغفر لكم ) .
ومن دعاء الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) : ( ياذا الجلال والإكرام ، أسألك عملاً تحب به من عمل به ، ويقيناً تنفع به من استيقن به حقَّ اليقين في نفاذ أمرك ، اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد ، واقبض على الصدق نفسي ، واقطع من الدنيا حاجتي ، واجعل فيما عندك رغبتي شوقاً إلى لقائك ، وهب لي صدق التوكل عليك ) .
لا تنسونا من دعاءكم .. آجركم الله